من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
سَبَب رضَا الْمَنْصُور عَن معن بن زَائِدَة
قَالَ: وَكَانَ سَبَب رضَا الْمَنْصُور عَن معن بن زَائِدَة، أَنه لم يزل مستترًا، حَتَّى يَوْم الهاشمية، ووثب الْقَوْم على الْمَنْصُور وكادوا يقتلونه، فَوَثَبَ معن وَهُوَ متلثم، وانتضى سَيْفه، فقاتل، وأبلى بلَاء حسنا، وذب الْقَوْم عَنهُ، والمنصور رَاكب على بغلة ولجامها بيد الرّبيع.
فَقَالَ لَهُ: تَنَح، فَإِنِّي أَحَق بِلِجَامِهَا فِي هَذَا الْوَقْت.
فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: صدق، ادفعه إِلَيْهِ، فَأَخذه، وَلم يزل يُقَاتل، حَتَّى انكشفت تِلْكَ الْحَال.
فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور: من أَنْت لله أَبوك؟ فَقَالَ: أَنا طلبتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، معن بن زَائِدَة.
فَقَالَ: قد أمنك الله على نَفسك وَمَالك، وَمثلك يصطنع، ثمَّ أَخذه مَعَه، وخلع عَلَيْهِ، وحباه، وقربه.
ثمَّ دَعَا بِهِ يَوْمًا، فَقَالَ: إِنِّي قد أهلتك لأمر، فَانْظُر كَيفَ تكون فِيهِ؟ فَقَالَ: كَمَا تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فولاه الْيمن، وَتوجه إِلَيْهَا، فَبسط فيهم السَّيْف، حَتَّى اسْتَووا.
قَالَ مَرْوَان: وَقدم معن بن زَائِدَة بعقب ذَلِك على الْمَنْصُور، فَقَالَ لَهُ، بعد كَلَام طَوِيل: قد بلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَنْك شَيْء، لَوْلَا مَكَانك عِنْده، ورأيه فِيك، لغضب عَلَيْك.
فَقَالَ: وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ فوَاللَّه مَا تعرضت لسخطك، فَقَالَ: عطاءك مَرْوَان بن حَفْصَة، لقَوْله فِيك:
معن بن زَائِدَة الَّذِي زيدت بِهِشرفًا إِلَى شرف بَنو شَيبَان
إِن عدّ أيّام الفعال فإنّمايوماه يَوْم ندى وَيَوْم طعان
فَقَالَ: وَالله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مَا أَعْطيته مَا بلغك، لهَذَا الشّعْر، وَلَكِن لقَوْله:
مَا زلتَ يَوْم الهاشميّة مُعْلنابِالسَّيْفِ دون خَليفَة الرَّحْمَن
فمنعت حوزته وَكنت وقاءهمن وَقع كلّ مهنّد وَسنَان
قَالَ: فاستحيا الْمَنْصُور، وَقَالَ: إِنَّمَا أَعْطَيْت لمثل هَذَا القَوْل؟ فَقَالَ: نعم، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَوْلَا مَخَافَة الشنعة، لأمكنته من مَفَاتِيح بيُوت الْأَمْوَال، وأبحته إِيَّاهَا.
فَقَالَ الْمَنْصُور: لله دَرك من أَعْرَابِي، مَا أَهْون عَلَيْك مَا يعز على النَّاس وَأهل الحزم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع