من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْأَمِير سيف الدولة يصفح عَن أحد أَتْبَاعه وَيُعِيد إِلَيْهِ نعْمَته
حَدثنِي عبد الله بن أَحْمد بن مَعْرُوف، أَبُو الْقَاسِم، قَالَ: كنت بِمصْر، وَكَانَ بهَا رجل يعرف بالناضري، من تناء حلب، قد قبض سيف الدولة على ضيعته، وصادره.
فهرب مِنْهُ إِلَى كافور الإخشيدي، فَأجرى عَلَيْهِ جراية سابغة فِي كل شهر.
وَكَانَ يجْرِي على جَمِيع من كَانَ يَقْصِدهُ، من الجرايات الَّتِي تسمى الرَّاتِب، وَكَانَ مَالا عَظِيما قدره فِي السّنة خمس مائَة ألف دِينَار، لأرباب النعم، وأجناس النَّاس، لَيْسَ لأحد من الْجَيْش، وَلَا من الْحَاشِيَة، وَلَا من المتصرفين فِي الْأَعْمَال، شَيْء مِنْهَا.
قَالَ: فَجرى يَوْمًا ذكر هَذَا الناضري بِحَضْرَة كافور، وَقيل لَهُ بِأَنَّهُ بغاء، وَكَثُرت عَلَيْهِ الْأَقَاوِيل فِي ذَلِك، فَأمر بِقطع جرايته.
فَرفع إِلَيْهِ قصَّة يشكو فِيهَا انْقِطَاع مادته، وَيسْأل التوقيع بإجرائه على رسمه.
فَأمر فَوَقع على ظهرهَا: قد صَحَّ عندنَا أَنَّك رجل تصرف مَا نجريه عَلَيْك فِيمَا يكره الله ﷿، من فَسَاد نَفسك، وَمَا نرى أَن نعينك على ذَلِك، فَالْحق بِحَيْثُ شِئْت، فَلَا خير لَك عندنَا بعْدهَا.
قَالَ: فَخرج التوقيع إِلَى الرجل، فغمه ذَلِك، وَعمل محضرًا أَدخل فِيهِ خطّ خلق كثير مِمَّن يعرفهُ، أَنه مَسْتُور، وَمَا قرف قطّ ببغاء.
وَكتب رقْعَة إِلَى كافور، يحلف فِيهَا بِالطَّلَاق وَالْعتاق والأيمان الغليظة، أَنه لَيْسَ ببغاء، وَاحْتج بالمحضر، وَجعل الرقعة طي الْمحْضر.
وَقَالَ فِيهَا: إِنَّه لم يكن يدْفع إِلَيْهِ مَا يدْفع لأجل حفظه فرجه أَو هتكه، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لِأَنَّهُ مُنْقَطع، وغريب، وهارب، ومفارق نعْمَة، وَإِن الله ﷿ أقدر على قطع أرزاق مرتكبي الْمعاصِي، وَمَا فعل ذَلِك بهم، بل رزقهم، وأمهلهم، وَأمرهمْ بِالتَّوْبَةِ، وَإنَّهُ إِن كَانَ مَا قذف بِهِ صَحِيحا، فَهُوَ تائب إِلَى الله ﷿ مِنْهُ، وَسَأَلَهُ رد رسمه إِلَيْهِ، وَرفع الْقِصَّة إِلَى كافور.
قَالَ: فَمَا أَدْرِي إِلَى أَي شَيْء انْتهى أمره، إِلَّا أَنه صَار فضيحة وتحدث النَّاس بحَديثه.
وَاتفقَ خروجي من مصر، عقيب ذَلِك، إِلَى حَضْرَة سيف الدولة، فَلَقِيته بحلب، وَجَرت أَحَادِيث المصريين، وَكَانَ يتشوق أَن يسمع حَدِيث صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ، وَيُعْجِبهُ أَن يذكر لَهُ.
قَالَ: فَقلت: من عَجِيب مَا جرى بهَا آنِفا، أَنه كَانَ بهَا رجل يُقَال لَهُ الناضري، وقصصت الْقِصَّة عَلَيْهِ.
فَضَحِك من ذَلِك ضحكًا عَظِيما، وَقَالَ: هَذَا المشئوم بلغ إِلَى مصر؟ فَقلت: نعم.
فَقَالَ لي مُحَمَّد الأسمر النديم: اعْلَم أَن هَذَا الرجل صديقي جدا، وَقد هلك، وافتقر، وَفَارق نعْمَته، فَأحب أَن تخاطب الْأَمِير فِي أمره، عقيب مَا جرى آنِفا، لأعاونك، فَلَعَلَّ الله ﷿ أَن يفرج عَنهُ.
فَقلت: أفعل.
وَأخذ سيف الدولة يسألني عَن الْأَمر، فَأَعَدْت شَرحه، وَعَاد، فَضَحِك.
فَقلت: أَطَالَ الله بَقَاء مولَايَ الْأَمِير، قد سررت بِهَذَا الحَدِيث، وَيجب أَن يكون لَهُ ثَمَرَة، إِمَّا لي، وَإِمَّا للرجل الَّذِي تركته فضيحة بحلب، بِمَا أخْبرت من قصَّته، زِيَادَة على فضيحته بِمصْر.
فَقَالَ: إِمَّا لَك، فَنعم، وَإِمَّا لَهُ، فَلَا يسْتَحق، فَإِنَّهُ فعل وصنع، وَجعل يُطلق القَوْل فِيهِ.
قَالَ: فَقلت لَهُ: فوائدي من مَوْلَانَا مُتَّصِلَة، وَلست أحتاج مَعَ إنعامه، وترادف إحسانه، إِلَى التَّسَبُّب فِي الْفَوَائِد، وَلَكِن إِن رأى أَن يَجْعَلهَا لهَذَا المفتضح المشئوم.
فَقَالَ: تنفذ إِلَيْهِ سفتجة بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم.
قَالَ: فشكرته الْجَمَاعَة، وخاطبته فِي أَن يَأْذَن لَهُ بالعودة إِلَى وَطنه، ويؤمنه.
قَالَ: فَكتب أَمَانًا لَهُ مؤكدًا، وَأذن لَهُ فِي الْعود.
قَالَ: فغمزني الأسمر فِي الإستزادة.
فَقلت: أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْأَمِير، إِن الثَّلَاثَة آلَاف دِرْهَم لَو أنفذت إِلَى
مصر، إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الْعود، مَا كفته لمن يحملهُ على نَفسه، لِأَن أَكثر أهل مصر بغاءون، وَقد ضايقوه فِي الناكة، وغلبوه باليسار، فَلَا يصل هُوَ إِلَى شَيْء إِلَّا بالغرم الثقيل.
قَالَ: فأعجبه ذكر أهل مصر بذلك، فَقَالَ: كَيفَ قلت هَذَا يَا أَخ؟ فَقلت: إِن المياسير من أهل مصر، لَهُم العبيد العلوج، يأتونهم، لكل وَاحِد مِنْهُم عدَّة غلْمَان، والمتوسطون، يدعونَ العلوج، والزنوج، الْمَشْهُورين بكبر الأيور، وينفقون عَلَيْهِم أَمْوَالهم، وَلَا يصل الْفَقِير المتجمل إِلَيْهِم.
وَلَقَد بَلغنِي أَيْضا، وَأَنا بِمصْر، أَن رجلا من البغائين بهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ حكاكه، فَطلب من يَأْتِيهِ، فَلم يقدر عَلَيْهِ، فَخرج إِلَى قَرْيَة، ذكر أَنَّهَا قريبَة من مصر، فَأَقَامَ بهَا.
فَكَانَ إِذا اجتاز بِهِ المجتازون، استغوى مِنْهُم من يختاره لهَذَا الْحَال، فَحَمله على نَفسه.
فَكَانَ يعِيش بالمجتاز بعد المجتاز، ويتمكن من إرضائه بِمَا لَا يُمكنهُ فِي مصر.
فَعَاشَ بذلك بُرْهَة، حَتَّى جَاءَ يَوْمًا بغاء آخر، فسكن مَعَه فِي الْموضع، فَكَانَ إِذا جَاءَ الْغُلَام الَّذِي يصلح لهَذَا الشَّأْن، تنافسا عَلَيْهِ، ففسد على الأول أمره.
فجَاء إِلَى الثَّانِي، فَقَالَ: يَا هَذَا، قد أفسدت أَمْرِي، وأبطلت عَمَلي، وَإِنَّمَا خرجت من مصر، لأجل المنافسة فِي الناكة، وَلَيْسَ لَك أَن تقيم معي هَاهُنَا.
فَقَالَ لَهُ الثَّانِي: سَوَاء العاكف فِيهِ والباد، وَمَا أَبْرَح من هَاهُنَا.
فَقَالَ لَهُ الأول: بيني وَبَيْنك شَيخنَا ابْن الأعجمي الْكَاتِب، رَئِيس البغائين
بِمصْر، وجذبه إِلَى حَضرته، فتحاكما إِلَيْهِ.
فَقَالَ: إِنِّي لما كنت اشْتَدَّ بِي أَمْرِي الَّذِي تعرفه، وَمَنَعَنِي فقري من اتِّخَاذ الناكة بِمصْر، عدلت إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ، فَعمِلت كَذَا، وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فجَاء هَذَا، وصنع، وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، وَشرح لَهُ أمره، فَإِن رَأَيْت أَن تحكم بيني وَبَينه، فاحكم.
فَحكم ابْن العجمي للْأولِ، وَمنع الثَّانِي من الْمقَام، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ لَك أَن تفْسد عَلَيْهِ عمله وناحيته، فاطلب لنَفسك موضعا آخر.
فَكيف يُمكن للناضري، أيد الله مَوْلَانَا الْأَمِير، أَن يَسْتَغْنِي بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم أمرت لَهُ بهَا فِي بلد هَذِه عزة الناكة فِيهِ، وَكَثْرَة البغائين؟ هَذَا لَو كَانَ مُقيما، فَكيف وَقد أَنْعَمت عَلَيْهِ بِالْإِذْنِ فِي الْمسير، وَيحْتَاج إِلَى بغال يركبهَا فِي الطَّرِيق بِأُجْرَة، وَنَفَقَة، وديون عَلَيْهِ يَقْضِيهَا، ومؤن.
قَالَ: فَضَحِك ضحكًا شَدِيدا من حِكَايَة البغائين، وَحكم ابْن العجمي بَينهمَا، وَكَانَ هَذَا من مشهوري كُتّاب مصر.
قَالَ: فاجعلوها خَمْسَة آلَاف دِرْهَم.
قَالَ: فَقلت أَنا والأسمر: فَيَعُود الرجل، أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْأَمِير، وَقد أنفقها فِي الطَّرِيق، إِلَى سوء المنقلب؟ وَكَانَ يُعجبهُ أَن يماكس فِي الْجُود، فيجود مَعَ الْمَسْأَلَة، بِأَكْثَرَ مِمَّا يؤمل مِنْهُ، وَلَكِن مَعَ السُّؤَال، وَالدُّخُول عَلَيْهِ مدْخل المزاح فِي ذَلِك، والطيبة، واقتضاء الْغُرَمَاء بَعضهم لبَعض فِي ذَلِك، وَمَا شابهه.
فَقَالَ: قد طولتم عَليّ فِي أَمر هَذَا الْفَاعِل الصَّانِع، أطْلقُوا لَهُ عَن
ضيعته بأسرها، ووقعوا لَهُ بذلك إِلَى الدِّيوَان، وَعَن مستغله، ومروا من فِي دَاره، بِالْخرُوجِ عَنْهَا، وتقدموا لَهُ بِأَن تفرش أحسن من الْفرش الَّذِي نهب لَهُ مِنْهَا لما سخط عَلَيْهِ.
قَالَ: فأكبت الْجَمَاعَة، يقبلُونَ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، ويحلفون أَنهم مَا رَأَوْا، وَلَا سمعُوا، بِمثل هَذَا الْكَرم قطّ، وَيَقُولُونَ: هَذَا مَعَ سوء رَأْيك فِي الرجل، وَسُوء حَدِيثه، فَمَا على وَجه الأَرْض بغاء أقبل على صَاحبه بِسَعْد، مثل هَذَا.
قَالَ: فَضَحِك، ونفذت الْكتب والتوقيعات بِمَا ذكره ورسمه.
فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة، وَأَنا بحلب، جَاءَ الرجل، وَعَاد إِلَى نعْمَته.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع