تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مزنة امْرَأَة مَرْوَان الجعديّ تلجأ إِلَى الخيزران جَارِيَة الْمهْدي

حَدثنِي طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر، الْمُقْرِئ، الشَّاهِد، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله الحرمي بن أبي الْعَلَاء، كَاتب القَاضِي أبي عمر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن طَالب الديناري، قَالَ: حَدثنِي الْفضل بن الْعَبَّاس بن يَعْقُوب بن سعيد بن الْوَلِيد بن سِنَان بن نَافِع، مولى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: مَا أتيت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ الْهَاشِمِي، قطّ، فَانْصَرَفت من عِنْدهَا إِلَّا بِشَيْء وَإِن قل.

وَكَانَ لَهَا وصيفة يُقَال لَهَا: كتاب، فعلقتها.

فَقلت لأبي: أَنا، وَالله، مَشْغُول الْقلب بِكِتَاب، جَارِيَة زَيْنَب.

فَقَالَ لي: يَا بني اطلبها مِنْهَا، فَإِنَّهَا لَا تمنعك إِيَّاهَا.

فَقلت: قد كنت أحب أَن تكون حَاضرا لتعينني عَلَيْهَا.

فَقَالَ: لَيْسَ بك إِلَيّ، وَلَا إِلَى غَيْرِي من حَاجَة.

فَغَدَوْت إِلَيْهَا، فَلَمَّا انْقَضى السَّلَام، قلت: جعلني الله فدَاك، فَكرت فِي حَاجَة، فَسَأَلت أبي أَن يحضر كَلَامي إياك فِيهَا، لأستعين بِهِ، فأسلمني، فَقَالَت: يَا بني، إِن حَاجَة لَا تقضى لَك حَتَّى تحضر أَبَاك فِيهَا، لحَاجَة عَظِيمَة الْقدر.

ثمَّ قَالَت: مَا هِيَ؟ فَقلت: كتاب، وصيفتك، أحب أَن تهبيها لي.

فَقَالَت: أَنْت صبي أَحمَق، اقعد، حَتَّى أحَدثك حَدِيثا، أحسن من كل كتاب على وَجه الأَرْض، وَأَنت من كتاب على وعد.

فَقلت: هَاتِي، جعلني الله فدَاك.

فَقَالَت: كنت، من أول أمس، عِنْد الخيزران، ومجلسي ومجلسها، إِذا اجْتَمَعنَا، فِي عتبَة بَاب الرواق، وبالقرب منا فِي صدر الْمَكَان، برذعة، ووسادتان، ومسانيد، عَلَيْهَا سبنية، لأمير الْمُؤمنِينَ.

وَهُوَ كثير الدُّخُول إِلَيْهَا وَالْجُلُوس عِنْدهَا، فَإِذا جَاءَ جلس فِي ذَلِك الْموضع، وَإِذا انْصَرف، طرحت عَلَيْهِ السبنية إِلَى وَقت رُجُوعه، فَإنَّا لجُلُوس، إِذْ دخلت عَلَيْهَا إِحْدَى جواريها، فَقَالَت: يَا ستي، بِالْبَابِ امْرَأَة مَا رَأَيْت أحسن مِنْهَا وَجها، وَلَا أَسْوَأ حَالا، عَلَيْهَا قَمِيص مَا يستر بعضه موضعا من بدنهَا، إِلَّا انْكَشَفَ مِنْهَا مَوضِع آخر غَيره، تستأذن عَلَيْك.

فالتفتت إِلَيّ، وَقَالَت: مَا تَرين؟ فَقلت: تسألين عَن اسْمهَا، وحالها، ثمَّ تأذنين لَهَا على علم، فَقَالَت الْجَارِيَة: قد وَالله جهدت بهَا كل الْجهد، أَن تفعل، فَمَا فعلت، وأرادت الِانْصِرَاف، فمنعتها.

فَقلت للخيزران: وَمَا عَلَيْك أَن تَأْذَنِي لَهَا، فَأَنت مِنْهَا بَين ثَوَاب ومكرمة، فَأَذنت لَهَا.

فَدخلت امْرَأَة على أَكثر مِمَّا وصفت الْجَارِيَة، وَهِي مستخفية، حَتَّى صَارَت إِلَى عضادة الْبَاب، مِمَّا يليني، وَكنت متكئة.

فَقَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم، فَرددْنَا ﵍.

ثمَّ قَالَت للخيزران: أَنا مزنة امْرَأَة مَرْوَان بن مُحَمَّد.

قَالَت: فَلَمَّا وَقع اسْمهَا فِي أُذُنِي، استويت جالسة، ثمَّ قلت: مزنة؟ قَالَت: نعم.

قلت: لَا حياك الله، وَلَا قربك، الْحَمد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك، وأدال عزك، وصيرك نكالًا وعبرة، أتذكرين يَا عدوة الله، حِين أَتَاك عَجَائِز أهل بَيْتِي يسألنك أَن تكلمي صَاحبك فِي إِنْزَال إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد من خشبته، فلقيتيهن ذَلِك اللِّقَاء، وأخرجتيهن ذَلِك الْإِخْرَاج، الْحَمد لله الَّذِي أَزَال نِعْمَتك.

فَضَحكت، وَالله، الْمَرْأَة، حَتَّى كَادَت تقهقه، وبدا لَهَا ثغر، مَا رَأَيْت أحسن مِنْهُ قطّ.

وَقَالَت: أَي بنت عَم، أَي شَيْء أعْجبك من حسن صنع الله بِي على ذَلِك الْفِعْل، حَتَّى أردْت أَن تتأسي بِي، وَالله، لقد فعلت بنساء أهل بَيْتك، مَا فعلت، فأسلمني الله إِلَيْك جائعة، ذليلة، عُرْيَانَة، فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك لله تَعَالَى على مَا أولاك فِي، ثمَّ قَالَت: السَّلَام عَلَيْكُم.

ثمَّ ولت خَارِجَة تمشي خلاف المشية الَّتِي دخلت بهَا.

فَقلت للخيزران: إِنَّهَا مخبأة من الله ﷿، وهدية مِنْهُ إِلَيْنَا، وَوَاللَّه، يَا خيزران، لَا يتَوَلَّى إخْرَاجهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ أحد غَيْرِي.

ثمَّ نهضت على أَثَرهَا، فَلَمَّا أحست بِي أسرعت، وأسرعت خلفهَا، حَتَّى وافيتها عِنْد السّتْر، ولحقتني الخيزران، فتعلقت بهَا.

وَقلت: يَا أُخْت، المعذرة إِلَى الله، ﷿، وَإِلَيْك، فَإِنِّي ذكرت، بمكانك، مَا نالنا من الْمُصِيبَة بصاحبنا، فَكَانَ مني مَا وددت أَنِّي غفلت عَنهُ، وَلم أملك نَفسِي.

وَأَرَدْت معانقتها، فَوضعت يَدهَا فِي صَدْرِي، وَقَالَت: لَا تفعلي، يَا أُخْت، فَإِنِّي على حَال، أصونك من الدنو مِنْهَا.

فرددناها، وَقلت للجواري: ادخلن مَعهَا الْحمام.

وَقلت للمواشط: اذهبن مَعهَا، حَتَّى تصلحن حفافها، وَمَا تحْتَاج إِلَى

إِصْلَاحه من وَجههَا.

فمضت، ومضين مَعهَا، ودعونا بكرسي، وَجَلَسْنَا أَنا والخيزران عَلَيْهِ، فِي صحن الدَّار، نَنْتَظِر خُرُوجهَا.

فَخرجت إِلَيْنَا إِحْدَى المواشط وَهِي تضحك.

فَقلت لَهَا: مَا يضحكك؟ فَقَالَت: يَا ستي، إِنَّا لنرى من هَذِه الْمَرْأَة عجبا.

فَقلت: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَت: نَحن مَعهَا فِي انتهار، وزجر، وخصومة، مَا تفعلين أَنْت، وَلَا ستنا، مثله إِذا خدمناكما.

فَقلت للخيزران: حَتَّى تعلمين، وَالله، يَا أُخْتِي أَنَّهَا حرَّة رئيسة، والحرة لَا تحتشم من الْأَحْرَار.

وَخرجت إِلَيْنَا جَارِيَة أعلمتنا أَنَّهَا قد خرجت من الْحمام، فوجهت إِلَيْهَا الخيزران أَصْنَاف الْخلْع، فتخيرت مِنْهَا مَا لبسته، وبعثنا إِلَيْهَا بِطيب كثير، فتطيبت، ثمَّ خرجت إِلَيْنَا.

فقمنا جَمِيعًا، فعانقناها، فَقَالَت: الْآن، نعم.

ثمَّ جِئْنَا إِلَى الْموضع الَّذِي يجلس فِيهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، فأقعدناها فِيهِ.

ثمَّ قَالَت الخيزران: إِن غداءنا قد تَأَخّر، فَهَل لَك فِي الطَّعَام؟ فَقَالَت: وَالله مَا فيكُن من هِيَ أحْوج إِلَيْهِ مني.

فدعونا بِالطَّعَامِ، فَجعلت تَأْكُل، وتضع بَين أَيْدِينَا، حَتَّى كَأَنَّهَا فِي منزلهَا.

فَلَمَّا فَرغْنَا من الْأكل، قَالَت لَهَا الخيزران: من لَك مِمَّن تعنين بِهِ؟ قَالَت؛ مَا لي وَرَاء هَذَا الْحَائِط أحد من خلق الله تَعَالَى.

فَقَالَت لَهَا الخيزران: فَهَل لَك فِي الْمقَام عندنَا، عَليّ أَن نخلي لَك مَقْصُورَة من المقاصير، ويحول إِلَيْهَا جَمِيع مَا تحتاجين إِلَيْهِ، ويستمتع بَعْضنَا بِبَعْض؟ فَقَالَت: مَا درت إِلَّا على أقل من هَذَا الْحَال، وَإِذ قد تفضل الله، ﷿، عَليّ بكما، وبهذه النِّعْمَة، فَلَا أقل من الشُّكْر لأمير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي، لكل نعْمَة، ولكما، فافعلي مَا بدالك، وَمَا أَحْبَبْت.

فَقَامَتْ الخيزران، وَقمت مَعهَا، وأقمناها مَعنا، ودخلنا نطوف بالمقاصير، فَاخْتَارَتْ، وَالله، أوسعها، وأحسنها.

فملأتها الخيزران، بالجواري، والوصائف، والخدم، والفرش، والآلات، ثمَّ قَالَت: ننصرف عَنْك، وَعَلَيْك بمنزلك، حَتَّى تصلحيه، فخلفناها فِي الْمَقْصُورَة، وانصرفنا إِلَى موضعنا.

فَقَالَت الخيزران: إِن هَذِه امْرَأَة رئيسة، وَقد عضها الْفقر، وَلَيْسَ يمْلَأ عينهَا إِلَّا المَال، ثمَّ بعثت إِلَيْهَا بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، وَمِائَة ألف دِرْهَم.

وَأرْسلت إِلَيْهَا: تكون هَذِه فِي خزانتك، ووظيفتك، ووظيفة حشمك، قَائِمَة فِي كل يَوْم، مَعَ وظيفتنا.

ثمَّ لم نَلْبَث أَن دخل علينا الْمهْدي، فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، لَك، وَالله، عِنْدِي حَدِيث طريف.

فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَحَدَّثته بالْخبر.

فَلَمَّا قلت لَهُ مَا كَانَ مني، من الْوُثُوب عَلَيْهَا، وإسماعها، اقشعر، واصفر.

ثمَّ قَالَ: يَا زَيْنَب، هَذَا مِقْدَار شكرك لِرَبِّك ﷿، وَقد أمكنك من عَدوك، وأظفرك بِهِ، على هَذَا الْحَال الَّذِي تَصِفِينَ؟ وَالله، لَوْلَا مَكَانك مني، لحلفت أَن لَا أُكَلِّمك أبدا، أَيْن الْمَرْأَة؟ قَالَت: فوفيته خَبَرهَا، فَالْتَفت إِلَى الخيزران، يصوب فعلهَا، وجزاها خيرا.

ثمَّ قَالَ لخادم بَين يَدَيْهِ: احْمِلْ إِلَيْهَا عشرَة آلَاف دِينَار، ومائتي ألف دِرْهَم، وَبَلغهَا سلامي، وأعلمها أَنه لَوْلَا خوفي من احتشامها لسرت إِلَيْهَا مُسلما عَلَيْهَا، ومخبرًا لَهَا بسروري بهَا، فَقل لَهَا: أَنا أَخُوك، وَجَمِيع مَا ينفذ فِيهِ أَمْرِي، فأمرك فِيهِ نَافِذ مَقْبُول.

قَالَت زَيْنَب: فَإِذا هِيَ قد وَردت إِلَيْنَا مَعَ الْخَادِم، وعَلى رَأسهَا دواج ملحم، حَتَّى جَلَست.

فلقيها الْمهْدي أحسن لِقَاء، فأقعدها عِنْده سَاعَة، تحادثه، ثمَّ انصرفت إِلَى مقصورتها.

فَهَذَا الحَدِيث يَا بني، خير لَك من كتاب.

قَالَ: فَأَمْسَكت.

فَقَالَت لي: قد اغتممت؟ فَقلت لَهَا: مَا أغتم، مَا أبقاك الله ﷿ لي.

فَقَالَت: اللَّيْلَة توافيك كتاب.

فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل، أنفذت بهَا إِلَيّ، وَمَعَهَا مَا يُسَاوِي أَضْعَاف ثمنهَا من كل صنف من الْحلِيّ، وَالرَّقِيق، وَغير ذَلِك.

وَذكر القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن فِي كِتَابه، هَذَا الْخَبَر، فَقَالَ: روى أَبُو مُوسَى مُحَمَّد بن الْفضل عَن أَبِيه، قَالَ: كنت ألفت زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس، أكتب عَنْهَا

أَخْبَار أَهلهَا، وَكَانَت لَهَا وصيفة يُقَال لَهَا: كتاب.

فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ، على خلاف فِي الْأَلْفَاظ يسير، وَالْمعْنَى وَاحِد، لَيْسَ فِيهِ زِيَادَة، إِلَّا فِي ذكر المَال، فَإِنَّهُ ذكر أَن الَّذِي حَملته الخيزران خمس مائَة ألف دِرْهَم، وَأَن الَّذِي حمله الْمهْدي، ألف ألف دِرْهَم.

وَأَنه لما أَتَاهَا رَسُول الْمهْدي، جَاءَت، فَقَالَت: مَا عَليّ من أَمِير الْمُؤمنِينَ حشمة، وَمَا أَنا إِلَّا من خدمه.

وَأَن زَيْنَب قَالَت فِي أول الْخَبَر: أتذكرين يَا عدوة الله حِين جَاءَك عَجَائِز أَهلِي يسألنك مَسْأَلَة صَاحبك بِالْإِذْنِ لنا فِي دفن صاحبنا إِبْرَاهِيم الإِمَام، فَوَثَبت عَلَيْهِنَّ.

وَوجدت فِي كتاب آخر، هَذَا الْخَبَر، بِمثل هَذَا الْمَعْنى، على خلاف فِي الْأَلْفَاظ، مِنْهَا مَا وجدته فِي كتاب القَاضِي أبي جَعْفَر بن البهلول التنوخي الْأَنْبَارِي، حَكَاهُ عَن الْفضل بن الْعَبَّاس بِمثل هَذَا الْمَعْنى، بِغَيْر إِسْنَاد مُتَّصِل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.