من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
فر من إِسْحَاق المصعبي فَوجدَ كنزًا
وَذكر أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه، قَالَ: حَدثنِي أبي، عَن أبي الْحُسَيْن عبد الله بن مُحَمَّد الباقطائي، قَالَ: كُنَّا نتعلم، وَنحن أَحْدَاث، فِي ديوَان إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الطاهري، ومعنا فَتى من الْكتاب، لَهُ خلق جميل، يعرف بِأبي غَالب.
فزور جمَاعَة من الْكتاب تزويرًا بِمَال أَخَذُوهُ، فَوقف إِسْحَاق على الْخَبَر، فطلبهم، فظفر ببعضهم، فَقطع أَيْديهم، وهرب الْبَاقُونَ.
وَكَانَ فِيمَن هرب، الْفَتى الَّذِي كنت ألزم مَجْلِسه، فَغَاب سِنِين كَثِيرَة، حَتَّى مَاتَ إِسْحَاق.
فَبينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض شوارع بَغْدَاد، فَإِذا بِهِ.
فَقلت: أَبُو غَالب؟ فَقَالَ: نعم، وَإِذا تَحْتَهُ دَابَّة فاره، بسرج محلى، وَثيَاب حَسَنَة.
فَقلت: عرفني حالك؟ قَالَ: فِي الْمنزل.
فسرت مَعَه، فاحتبسني ذَلِك الْيَوْم عِنْده، وَرَأَيْت لَهُ مُرُوءَة حَسَنَة، فَسَأَلته عَن خَبره.
فَقَالَ: لما طلبنا إِسْحَاق، استترت، فَلَمَّا بَلغنِي مَا عَامل بِهِ من كَانَ معي فِي الْجِنَايَة، ضَاقَتْ عَليّ بَغْدَاد، فَخرجت على وَجْهي، خوفًا من عُقُوبَة إِسْحَاق، إِن ظفر بِي.
وَلم أزل مستخفيًا، إِلَى أَن أتيت ديار مصر، أطلب التَّصَرُّف، فَتعذر عَليّ، وتفرق من كَانَ معي، إِلَّا غُلَام وَاحِد.
فرقت حَالي جدا، حَتَّى بِعْت مَا فِي الْبَيْت عَن آخِره، على قلته.
فَأَصْبَحت يَوْمًا، فَقَالَ لي غلامي: أَي شَيْء نعمل الْيَوْم؟ مَا مَعنا حَاجَة.
فَقلت: خُذ مبطنتي بعها، وأشتر لنا مَا نحتاج إِلَيْهِ.
فَخرج الْغُلَام، وَبقيت فِي الدَّار وحدي، أفكر فِيمَا دفعت إِلَيْهِ من الغربة والوحدة، والعطلة، والضيقة، والشدة، وَتعذر الْمَعيشَة وَالتَّصَرُّف، وَكَيف أصنع، وَمِمَّنْ أقترض، فكاد عَقْلِي أَن يَزُول.
فَبينا أَنا كَذَلِك، وَإِذا بجرذ قد خرج من كوَّة فِي الْبَيْت، وَفِي فَمه دِينَار، فَوَضعه ثمَّ عَاد، فَمَا زَالَ كَذَلِك، حَتَّى أخرج ثَمَانِينَ دِينَارا، فصفها، ثمَّ جعل يتقلب عَلَيْهَا، ويتمرغ، ويلعب.
ثمَّ أَخذ دِينَارا وَدخل إِلَى الكوة، فَخَشِيت إِن تركته أَن يردهَا جَمِيعهَا إِلَى الْموضع الَّذِي أخرجهَا مِنْهُ، فَقُمْت، وَأخذت الدَّنَانِير، وشددتها.
وَجَاء الْغُلَام، وَمَعَهُ مَا قد ابتاعه، فتغدينا، وَقلت لَهُ: خُذ هَذَا الدِّينَار، فابتع لنا فأسًا.
فَقَالَ: مَا نصْنَع بِهِ؟ فَحَدَّثته الحَدِيث، وأريته الدَّنَانِير، وَقلت لَهُ: قد عزمت على أَن أقلع الكوة.
فَفعل مَا أَمرته بِهِ، وأفضى بِنَا الْحفر إِلَى برنية فِيهَا سَبْعَة آلَاف دِينَار.
فأخذتها وأصلحت الْموضع كَمَا كَانَ، وَخرجت إِلَى بَغْدَاد، بعد أَن أخذت بِالْمَالِ سفاتج، وَتركت بعضه معي.
وأنفذت الْغُلَام بالسفاتج إِلَى بَغْدَاد، وأقمت، حَتَّى ورد عَليّ كتاب الْغُلَام بِصِحَّة السفاتج، وَتَحْصِيل المَال فِي بَيْتِي، وَكَانَ إِسْحَاق قد مَاتَ.
فانحدرت إِلَى بَغْدَاد، وابتعت بِالْمَالِ كُله ضَيْعَة، ولزمتها، فأثمرت، ونمت، وَتركت التَّصَرُّف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع