من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَين الْمهْدي وَيَعْقُوب بن دَاوُد
وَقُرِئَ على أبي بكر الصولي، وَأَنا حَاضر أسمع، حَدثكُمْ الْحسن الْعَنْبَري، قَالَ: أَمر الْمهْدي بِيَعْقُوب بن دَاوُد الْكَاتِب، بعد أَن نكبه، أَن يُؤْتى بِهِ إِلَيْهِ، فجَاء، وَقد انتضى لَهُ السَّيْف.
فَقَالَ: يَا يَعْقُوب.
قَالَ: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، تَلْبِيَة مكروب لموجدتك، شَرق بِغَضَبِك.
فَقَالَ: ألم أرفع قدرك وَأَنت خامل، وأسير ذكرك وَأَنت غافل، وألبسك من نعم الله ونعمي، مَا لم أجد عنْدك طَاقَة لحمله، وَلَا قيَاما بشكره، فَكيف رَأَيْت الله أظهر عَلَيْك، ورد كيدك إِلَيْك؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن كنت قلت هَذَا بِعلم ويقين، فَأَنا معترف، وَإِن كَانَ بسعاية الساعين، فَأَنت بِمَا فِي أَكْثَرهَا عَالم، وَأَنا عَائِذ بكرمك، وعميم شرفك.
فَقَالَ: لَوْلَا مَا سبق لَك من رعايتي لاستحقاقك، لألبستك من الْمَوْت قَمِيصًا، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى المطبق.
فَذَهَبُوا بِهِ وَهُوَ يَقُول: الِاخْتِلَاط رحم، وَالْوَفَاء كرم، وَمَا على الْعَفو يذم، وَأَنت بالمحاسن جدير، وَأَنا بِالْعَفو خليق.
فَلم يزل مَحْبُوسًا، حَتَّى أطلقهُ الرشيد.
قَالَ الصولي: وَلما أوقع الْمهْدي بِيَعْقُوب بن دَاوُد، أحضر إِسْحَاق بن الْفضل بن عبد الرَّحْمَن الربعِي الْهَاشِمِي.
فَقَالَ لَهُ: أتزعم أَنكُمْ الكبراء من ولد عبد الْمطلب، لِأَن الْحَارِث أَبَاكُم أكبر وَلَده، وَلذَلِك صرت أَحَق بالخلافة مني؟ فَقَالَ إِسْحَاق: على من قَالَ هَذَا، أَو نَوَاه، لعنة الله، وَإِذا صَحَّ عَليّ هَذَا، فاقتلني.
فَقَالَ: يَعْقُوب بن دَاوُد، قَالَ لي هَذَا عَنْك.
فَقلت فِي نَفسِي: يَعْقُوب قد قتل، وَلم أَشك فِي ذَلِك، فقد أمنت من أَن يبهتني.
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن واجهني يَعْقُوب بِهَذَا فقد اعْترفت بِهِ.
فأحضر يَعْقُوب مُقَيّدا، فَقَالَ لَهُ: أما أَخْبَرتنِي عَن إِسْحَاق بِكَذَا؟ قَالَ إِسْحَاق: فأحسست، وَالله، بِالْمَوْتِ، إِلَى أَن قَالَ يَعْقُوب: وَالله، مَا قلت لَك هَذَا قطّ.
قَالَ: بلَى وَالله.
قَالَ: لَا وَالله، فاغتاظ الْمهْدي.
فَقَالَ لَهُ يَعْقُوب: إِن أذكرتك القَوْل فِي هَذَا، تزيل التُّهْمَة عني؟ قَالَ: نعم.
قَالَ: أَتَذكر يَوْم شاورتني فِي أَمر مصر، فأشرت عَلَيْك بِإسْحَاق.
فَقلت: ذَاك يزْعم أَنه أولى بالخلافة مني، وَقد كَانَ مبارك التركي حَاضرا ذَلِك، فَاسْأَلْهُ، فَذكر الْمهْدي ذَلِك.
ثمَّ أقبل الْمهْدي يوبخ يَعْقُوب على أَفعاله، وَيَعْقُوب يقوم بِالْحجَّةِ.
إِلَى أَن قَالَ لَهُ يَعْقُوب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَتَذكر حَيْثُ أَعْطَيْتنِي عهد الله وميثاقه، وَذمَّة رَسُوله، وَذمَّة آبَائِك، أَن لَا تقتلني، وَلَا تحبسني، وَلَا تضربني
أبدا، وَلَو قتلت مُوسَى وَهَارُون.
قَالَ: فَوَثَبَ الْمهْدي من مَجْلِسه، ورد يَعْقُوب إِلَى حَبسه، وَخرجت أَنا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع