تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

إِن من الْبَيَان لسحرًا

وَحكى الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: قَالَ أَحْمد بن أبي داؤد: مَا رَأَيْت رجلا قطّ نزل بِهِ الْمَوْت، وعاينه، فَمَا أدهشه، وَلَا أذهله، وَلَا أشغله عَمَّا كَانَ أَرَادَهُ، وَأحب أَن يَفْعَله، حَتَّى بلغه، وخلصه الله تَعَالَى من الْقَتْل، إِلَّا تَمِيم بن جميل الْخَارِجِي، فَإِنَّهُ كَانَ تغلب على شاطئ الْفُرَات، فَأخذ، وَأتي بِهِ إِلَى المعتصم بِاللَّه.

فرأيته بَين يَدَيْهِ، وَقد بسط لَهُ النطع وَالسيف، فَجعل تَمِيم ينظر إِلَيْهِمَا، وَجعل المعتصم يصعد النّظر فِيهِ، ويصوبه.

وَكَانَ تَمِيم رجلا جميلًا، وسيمًا، جسيمًا، فَأَرَادَ المعتصم أَن يستنطقه، لينْظر أَيْن جنانه وَلسَانه، من منظره ومخبره.

فَقَالَ لَهُ المعتصم: يَا تَمِيم، تكلم، إِن كَانَ لَك حجَّة أَو عذر فأبده.

فَقَالَ: أما إِذْ أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ بالْكلَام، فَأَقُول: الْحَمد لله الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه، وَقد خلق الْإِنْسَان من طين، ثمَّ جعل نَسْله من سلالة من مَاء مهين، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، جبر الله بك صدع الدَّين، وَلم شعث الْمُسلمين، وأخمد بك شهَاب الْبَاطِل، وأوضح نهج الْحق، إِن الذُّنُوب تخرس الْأَلْسِنَة، وتعمي الأفئدة، وأيم الله، لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الْحجَّة، وَكبر الجرم،

وساء الظَّن، وَلم يبْق إِلَّا عفوك، أَو انتقامك، وَأَرْجُو أَن يكون أقربهما مني وأسرعهما إِلَيّ، أولاهما بإمامتك، وأشبههما بخلافتك، وَأَنت إِلَى الْعَفو أقرب، وَهُوَ بك أشبه وأليق، ثمَّ تمثل بِهَذِهِ الأبيات:

أرى الْمَوْت بَين السَّيْف والنطع كامنًايلاحظني من حَيْثُمَا أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك الْيَوْم قاتليوأيّ امْرِئ مِمَّا قضى الله يفلت
وَمن ذَا الَّذِي يُدْلِي بعذرٍ وَحجَّةوَسيف المنايا بَين عَيْنَيْهِ مصلت
يعزّ على الْأَوْس بن تغلب موقفٌيهزّ عليّ السَّيْف فِيهِ وأسكت
وَمَا جزعي من أَن أَمُوت وإنّنيلأعْلم أنّ الْمَوْت شَيْء موقّت
ولكنّ خَلْفي صبية قد تَركتهموأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أَرَاهُم حِين أنعى إِلَيْهِموَقد خمشوا حرّ الْوُجُوه وصوّتوا
فَإِن عِشْت عاشوا سَالِمين بغبطةأذود الْأَذَى عَنْهُم وَإِن متّ موّتوا
فكم قَائِل لَا يبعد الله دَارهوَآخر جذلان يسرّ ويشمت

قَالَ: فَتَبَسَّمَ المعتصم، ثمَّ قَالَ: أَقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ: «إِن من الْبَيَان لسحرًا».

ثمَّ قَالَ: يَا تَمِيم كَاد وَالله أَن يسْبق السَّيْف العذل، اذْهَبْ، فقد غفرت لَك الهفوة، وتركتك للصبية، ووهبتك لله ولصبيتك.

ثمَّ أَمر بفك قيوده، وخلع عَلَيْهِ، وَعقد لَهُ على ولَايَة على شاطئ الْفُرَات، وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِينَار.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.