من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
فَتى بغدادي قدم للْقَتْل وَسُئِلَ مَا يَشْتَهِي فَطلب رَأْسا حارًّا ورقاقًا
وَحكى مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر، قَالَ: حضرت الْعرض فِي مجْلِس الْجَانِب الشَّرْقِي بِبَغْدَاد، أَيَّام نازوك، فَأخْرج خَليفَة نازوك على الْمجْلس جمَاعَة، فَقتل بَعضهم.
ثمَّ أخرج غُلَاما حدث السن، مليح المنظر، فرأيته لما وقف بَين يَدي خَليفَة نازوك، تَبَسم.
فَقلت: يَا هَذَا، أحسبك رابط الجأش، لِأَنِّي أَرَاك تضحك فِي مقَام يُوجب الْبكاء، فَهَل فِي نَفسك شَيْء تشتهيه؟ فَقَالَ: نعم، أُرِيد رَأْسا حارًّا ورقاقًا.
فَسَأَلت صَاحب الْمجْلس أَن يُؤَخر قَتله إِلَى أَن أطْعمهُ ذَلِك، وَلم أزل ألطف
بِهِ، إِلَى أَن أجَاب، وَهُوَ يضْحك مني، وَيَقُول: أَي شَيْء ينفع هَذَا، وَهُوَ يقتل؟ قَالَ: وأنفذت من أحضر الْجَمِيع بِسُرْعَة، واستدعيت الْفَتى، فَجَلَسَ يَأْكُل غير مكترث بِالْحَال، والسياف قَائِم، وَالْقَوْم يقدمُونَ، فَتضْرب أَعْنَاقهم.
فَقلت: يَا فَتى، أَرَاك تَأْكُل بِسُكُون، وَقلة فكر.
فَأخذ قشة من الأَرْض، فَرمى بهَا، رَافعا يَده، وَقَالَ وَهُوَ يضْحك: يَا هَذَا، إِلَى أَن تسْقط هَذِه إِلَى الأَرْض مائَة فرج.
قَالَ: فوَاللَّه، مَا استتم كَلَامه، حَتَّى وَقعت صَيْحَة عَظِيمَة، وَقيل: قد قتل نازوك.
وأغارت الْعَامَّة على الْموضع، فَوَثَبُوا بِصَاحِب الْمجْلس، وكسروا بَاب الْحَبْس، وَخرج جَمِيع من كَانَ فِيهِ.
فاشتغلت أَنا عَن الْفَتى، وَجَمِيع الْأَشْيَاء، بنفسي، حَتَّى ركبت دَابَّتي مهرولًا، وصرت إِلَى الجسر، أُرِيد منزلي.
فوَاللَّه، مَا توسطت الطَّرِيق، حَتَّى أحسست بِإِنْسَان قد قبض على إصبعي بِرِفْق، وَقَالَ: يَا هَذَا، ظننا بِاللَّه، ﷿، أجمل من ظَنك، فَكيف رَأَيْت لطيف صنعه.
فَالْتَفت، فَإِذا الْفَتى بِعَيْنِه، فهنأته بالسلامة، فَأخذ يشكرني على مَا فعلته، وَحَال النَّاس والزحام بَيْننَا، وَكَانَ آخر عهدي بِهِ.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع