من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أشرف يحيى الْبَرْمَكِي على الْقَتْل فخلصه إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي وَزِير الْهَادِي
وَحكي: أَن مُوسَى الْهَادِي كَانَ قد طَالب أَخَاهُ هَارُون أَن يخلع نَفسه من الْعَهْد، ليصيره لِابْنِهِ من بعده، وَيخرج هَارُون من الْأَمر، فَلم يجب إِلَى ذَلِك.
وأحضر يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، ولطف بِهِ، وداراه، ووعده ومناه، وَسَأَلَهُ أَن يُشِير على هَارُون بِالْخلْعِ، فَلم يجب يحيى إِلَى ذَلِك، ودافعه مُدَّة.
فتهدده وتوعده، وَجَرت بَينهمَا فِي ذَلِك خطوب طَوِيلَة، وأشفى يحيى مَعَه على الْهَلَاك، وَهُوَ مُقيم على مدافعته عَن صَاحبه.
إِلَى أَن اعتل الْهَادِي، علته الَّتِي مَاتَ مِنْهَا، واشتدت بِهِ، فَدَعَا يحيى، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ يَنْفَعنِي مَعَك شَيْء، وَقد أفسدت أخي عَليّ، وقويت نَفسه، حَتَّى امْتنع مِمَّا أريده، وَوَاللَّه لأَقْتُلَنك، ثمَّ دَعَا بِالسَّيْفِ والنطع، وأبرك يحيى، ليضْرب عُنُقه.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن ليحيى
عِنْدِي يدا، أُرِيد أَن أكافئه عَلَيْهَا، فَأحب أَن تهبه لي اللَّيْلَة، وَأَنت فِي غَد تفعل بِهِ مَا تحب.
فَقَالَ لَهُ: مَا فَائِدَة لَيْلَة؟ فَقَالَ: إِمَّا أَن يَقُود صَاحبه إِلَى إرادتك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَو يعْهَد فِي أَمر نَفسه وَولده، فَأَجَابَهُ.
قَالَ يحيى: فأُقمت من النطع، وَقد أيقنت بِالْمَوْتِ، وأيقنت أَنه لم يبْق من أَجلي إِلَّا بَقِيَّة اللَّيْلَة، فَمَا اكتحلت عَيْنَايَ بغمض إِلَى السحر.
ثمَّ سَمِعت صَوت القفل يفتح عَليّ، فَلم أَشك أَن الْهَادِي قد استدعاني للْقَتْل، لما انْصَرف كَاتبه.
وَانْقَضَت اللَّيْلَة، وَإِذا بخادم قد دخل إِلَيّ، وَقَالَ: أجب السيدة.
فَقلت: مَا لي وللسيدة؟ فَقَالَ: قُم، فَقُمْت، وَجئْت إِلَى الخيزران.
فَقَالَت: إِن مُوسَى قد مَاتَ، وَنحن نسَاء، فَادْخُلْ، فَأصْلح شَأْنه، وأنفذ إِلَى هَارُون، فجِئ بِهِ.
فأدخلت، فَإِذا بِهِ مَيتا، فحمدت الله تَعَالَى على لطيف صنعه، وتفريج مَا كنت فِيهِ، وبادرت إِلَى هَارُون، فَوَجَدته نَائِما، فأيقظته.
فَلَمَّا رَآنِي، عجب، وَقَالَ: وَيحك مَا الْخَبَر؟ قلت: قُم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى دَار الْخلَافَة.
فَقَالَ: أَو قد مَاتَ مُوسَى؟ قلت: نعم.
فَقَالَ: الْحَمد لله، هاتوا ثِيَابِي، فَإلَى أَن لبسهَا، جَاءَنِي من عرفني أَنه
ولد لَهُ ولد من مراجل، وَلم يكن عرف الْخَبَر، فَسَماهُ عبد الله، وَهُوَ الْمَأْمُون وَركب، وَأَنا مَعَه، إِلَى دَار الْخلَافَة.
وَمن الْعجب أَن تِلْكَ اللَّيْلَة، مَاتَ فِيهَا خَليفَة، وَجلسَ خَليفَة، وَولد خَليفَة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع