من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الخائن لَا يؤتمن
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد جرى فِي عصرنا مثل هَذَا، فَحَدثني مُبشر الرُّومِي، قَالَ: لما خرج معز الدولة فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مائَة، وَانْهَزَمَ نَاصِر الدولة من بَين يَدَيْهِ، أنفذني مولَايَ، لأَكُون بِحَضْرَتِهِ، وحضرة أبي جَعْفَر الصَّيْمَرِيّ كَاتبه، وأوصل كتبه إِلَيْهِمَا.
فَسمِعت حَاشِيَة الصَّيْمَرِيّ، يتحدثون: أَنه جَاءَ إِلَيْهِ ركابي من ركابيته، وَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْأَمِير، إِن قتلت لَك نَاصِر الدولة، أَي شَيْء تُعْطِينِي؟ قَالَ لَهُ: ألف دِينَار.
قَالَ: فَأذن لي أَن أمضي وأحتال فِي اغتياله، فَأذن لَهُ.
فَمضى إِلَى أَن دخل عسكره، وَعرف مَوضِع مبيته من خيمته، فرصد الْغَفْلَة حَتَّى دَخلهَا لَيْلًا، وناصر الدولة نَائِم، وبالقرب من مرقده شمعة مشتعلة، وَفِي الْخَيْمَة غُلَام نَائِم.
فَعرف مَوضِع رَأسه من المرقد، ثمَّ أطفأ الشمعة، واستل سكينًا طَويلا مَاضِيا كَانَ فِي وَسطه، وَأَقْبل يمشي فِي الْخَيْمَة، ويتوقى أَن يعثر بالغلام، وَهُوَ يُرِيد مَوضِع نَاصِر الدولة.
فَإلَى أَن وصل إِلَيْهِ انْقَلب نَاصِر الدولة من الْجَانِب الَّذِي كَانَ نَائِما عَلَيْهِ، إِلَى الْجَانِب الآخر، وزحف فِي الْفراش، فَصَارَ رَأسه على الْجَانِب الآخر من
المخاد والفراش، وَبَينه وَبَين الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ مَسَافَة يسيرَة.
وَبلغ الركابي إِلَى الْفراش، وَهُوَ لَا يظنّ إِلَّا أَنه فِيهِ وَأَنه فِي مَكَانَهُ.
فوجأ الْموضع بالسكين بِجَمِيعِ قوته، وَعِنْده أَنه قد أثبتها فِي صدر نَاصِر الدولة، وَتركهَا فِي موضعهَا، وَخرج من تَحت أطناب الْخَيْمَة.
وَصَارَ فِي الْوَقْت إِلَى عَسْكَر معز الدولة، فوصل إِلَيْهِ، فَأخْبرهُ أَنه قتل نَاصِر الدولة، وطالب بالجعالة، فاستشرحه كَيفَ صنع، فشرحه.
فَقَالَ لَهُ: اصبر حَتَّى يرد جواسيسي بِصِحَّة الْخَبَر.
فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ ورد الجواسيس بأخبار عَسْكَر نَاصِر الدولة، وَمَا يدل على سَلَامَته وَأَن إنْسَانا أَرَادَ أَن يغتاله، فَكَانَ كَيْت وَكَيْت، وَذكر لَهُ خبر السكين.
فأحضر معز الدولة الركابي، وَسلمهُ إِلَى أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد الصَّيْمَرِيّ، الْهِلَالِي، فِيمَا سَمِعت إِذْ ذَاك، وَقَالَ لَهُ: اكْفِنِي أَمر هَذَا الركابي، فَإِن من تجاسر على الْمُلُوك لم يجز أَن آمنهُ على نَفسِي.
فغرقه الصميري سرا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع