من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أَرَادَ ابْن المعتز قتل يحيى بن عَليّ المنجم فَلم يمهله الْقدر
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: كَانَ يحيى بن عَليّ المنجم قد نَاقض أَبَا الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز، فِي أشعار جرت بَينهمَا، فِي تَفْضِيل مَا بَين الْعَرَب والعجم، والطالبيين والعباسيين، واشتدت الْحَال بَينهمَا، إِلَى أَن بادأه يحيى بالعداء والهجاء، وَذَلِكَ طَوِيل مَشْهُور، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره.
فَلَمَّا بُويِعَ ابْن المعتز، وأطاعه الْجَيْش، وَجلسَ للنَّظَر فِي الْأُمُور، وَأَشَارَ أهل يحيى عَلَيْهِ بالهرب، وهم هُوَ بِهِ خوفًا من الْقَتْل، أَتَتْهُ رسل ابْن المعتز يطلبونه لِلْبيعَةِ، فَدخل إِلَيْهِ وَهُوَ آيس من الْحَيَاة، فَبَايعهُ، وثار الشَّرّ فِي وَجهه حَتَّى خَافَ أَن يبادره، ثمَّ انْصَرف لاشتغال ابْن المعتز عَنهُ بإحكام الْبيعَة، وَعمل يحيى على التواري وَإِسْلَام النِّعْمَة.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، انْتقض أَمر ابْن المعتز، وكفي يحيى أمره.
وَحكى الصولي فِي كِتَابه كتاب الوزراء قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن إِسْمَاعِيل الجليس، قَالَ: دخل يحيى بن عَليّ المنجم، إِلَى عبد الله بن المعتز،
مُتَقَلِّدًا سَيْفا، وَمَعَهُ ابناه، فَسلم عَلَيْهِ بالخلافة.
فَقَالَ لَهُ، قَلِيلا قَلِيلا، وَمن حوله يسمع: لَا سلم الله عَلَيْك، يَا كلب، أَلَسْت الهاجي سيدنَا مُحَمَّد ﷺ والفاخر بعجمك على أَهله؟ وَالله، لأطعمن الطير لحمك.
قَالَ: وَخفت أَن يعجل فيأمر بِهِ، فَجعلت أومئ إِلَى الِانْتِظَار بِهِ، فَسلم، وَلَا أَحسب ذَلِك إِلَّا لِأَنَّهُ كَانَ يعد لَهُ مَا الْقَتْل مَعَه رَاحَة.
ثمَّ قَالَ: كلاب غذتهم نعمتنا، وأشادت بذكرهم خدمتنا، سعوا بِالْبَاطِلِ علينا، وجحدوا إحساننا، وهجوا نَبينَا ﵇، حَتَّى إِذا أظلهم الْعَذَاب، وأسلمتهم الحراب، تحَصَّنُوا بالرفض، ومدحوا أهلنا، وأخص النَّاس بِنَا، لتنصرهم علينا طَائِفَة منا، وليتألفوا قلوبًا نفرت عَنْهُم وَلم يعلم الْجَاهِل الْكَافِر، أننا وَبني عمنَا من آل أبي طَالب، لَو افترقنا فِي كل شَيْء تَجْتَمِع النَّاس عَلَيْهِ، مَا افترقنا فِي أَن الثالب لسيدنا مُحَمَّد ﷺ كَافِر، والفاخر عَلَيْهِ فَاجر، وَأَنا جَمِيعًا نرى قَتله، ونستحل دَمه.
فَمَا زلنا نسكن مِنْهُ ونحتال للْعُذْر عَنهُ وَجها، وَهُوَ لَا يقبل، ويعنفنا، وَيَقُول: لَيْسَ بِمُسلم من خَالف قولي هَذَا.
وأنشدني يحيى بن عَليّ، لنَفسِهِ، بعد أَن قتل ابْن المعتز:
نفخت فِي غير فَحميَا قَاطعا كلّ رحم
لمّا تألّيت بغيًاأَن تطعم الطير لحمي
حميت مِنْك فَصَارَالْمُبَاح مَا كنت تَحْمِي
فَاذْهَبْ إِلَى النَّار فازحمسكّانها أيّ زحم
قَالَ الصولي: وَلما ولي أَبُو الْحسن بن الْفُرَات الوزارة الأولى، دخل عَلَيْهِ يحيى بن عَليّ فأنشده قصيدة، يهنيه بهَا، وَذكرهَا الصولي، فَمِنْهَا مِمَّا يدْخل فِي هَذَا الْمَعْنى، قَوْله:
وَلَيْسَ وزارة الْخُلَفَاء نهبًاوَلَيْسَ خلَافَة الرَّحْمَن عاره
تجلّت غبرة كنّا أصبْنَابهَا والمسلمون على إباره
فأعقبنا الزَّمَان رضى بسخطٍوأبدلنا الْحَلَاوَة بالمراره
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع