من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الْحجَّاج بن خَيْثَمَة ينصح الْحسن بن سهل
حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن الْوراق الْمَعْرُوف بالصيرفي، ابْن أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَثْرَم الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ بِالْبَصْرَةِ فِي الْمحرم سنة خمس وَأَرْبَعين وَثَلَاث مائَة بِكِتَاب المبيضة لأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبيد الله بن عمار، فِي خبر أبي السَّرَايَا الْخَارِج بالطالبيين بعد مقتل الْأمين، وَشرح غَلَبَة الطالبيين وَأَصْحَاب أبي السَّرَايَا على الْكُوفَة، وَالْبَصْرَة، وَأكْثر السوَاد، والحرمين، واليمن، والأهواز، وَغير ذَلِك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان النَّوْفَلِي، قَالَ: لما انْصَرف الطالبيون عَن الْبَصْرَة، تفَرقُوا، فتوارى بَعضهم بِبَغْدَاد وَبَعْضهمْ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ فِيمَن توارى زيد بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، فَطَلَبه الْحسن طلبا شَدِيدا حَتَّى دلّ على مَوْضِعه، فَأرْسل إِلَيْهِ من هجم عَلَيْهِ فَأتى بِهِ، ثمَّ جلس مَجْلِسا عَاما من أَجله، ودعا بِهِ، فأنبه، ووبخه، وَقَالَ: قتلت النَّاس، وسفكت دِمَاء الْمُسلمين، وَفعلت، وَفعلت.
ثمَّ أقبل على من حَضَره من النَّاس والهاشميين وَغَيرهم، وَقَالَ: مَا ترَوْنَ فِيهِ؟ فأمسكوا جَمِيعًا.
وانبرى لَهُ قثم بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان، فَقَالَ: أرى أَيهَا الْأَمِير أَن تضرب عُنُقه، وَدَمه فِي عنقِي.
فَأمر بِهِ الْحسن، فَشد رَأسه بالحبل، وانتضي لَهُ السَّيْف، وَلم يبْق إِلَّا أَن يُومِئ بِالضَّرْبِ، فَيضْرب.
إِذْ صَاح الْحجَّاج بن خَيْثَمَة، وَهِي أمه، وَقد حضر الْمجْلس ذَلِك الْيَوْم، قَالَ: وَهُوَ رجل من أهل الْبَصْرَة لَهُ قدر، وَأمه أُخْت عبيد الله بن سَالم مولى بلقين، وَكَانَ الرشيد جعل إِلَيْهِ أَمر الصواري والبارجات، وَكَانَت لَهُ فِي نَفسه هيأة وَحَال وسرو، فَاحْتمل أَن يُولى هَذَا، وَكَانَت حَاله، بعد، حَالا حَسَنَة، وَقدره غير وضيع.
فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير، إِن رَأَيْت أَن لَا تعجل، وَأَن تَدعُونِي إِلَيْك، فَإِن لَك عِنْدِي نصيحة.
فَفعل الْحسن، وَأمْسك الَّذِي بِيَدِهِ السَّيْف، واستدناه.
فَلَمَّا دنا، قَالَ: أَيهَا الْأَمِير، أَتَاك بِمَا تُرِيدُ فعله أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَكَانَ قد عهد إِلَيْك، إِذا ظَفرت بِهَذَا الرجل أَن تقتله، واستأمرت بِهِ بعد ظفرك بِهِ، فأمرك بذلك؟ قَالَ: لَا ذَا وَلَا ذَا.
قَالَ: أتقتل ابْن عَم أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن غير أمره، وَلَا استطلاع رَأْيه فِيهِ؟ قَالَ: ثمَّ حَدثهُ بِحَدِيث عبد الله بن الْأَفْطَس، وَأَن الرشيد حَبسه عِنْد جَعْفَر بن يحيى، فأقدم عَلَيْهِ، فَقتله من غير أمره، وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، مَعَ هَدَايَا النيروز، وَأَن الرشيد لما أَمر مَسْرُورا الْكَبِير بقتل جَعْفَر، قَالَ لَهُ: إِذا سَأَلَك
عَن ذَنبه الَّذِي أَقتلهُ من أَجله، فَقل لَهُ: إِنَّمَا أَقْتلك بِابْن عمي ابْن الْأَفْطَس الَّذِي قتلته من غير أَمْرِي.
ثمَّ قَالَ الْحجَّاج لِلْحسنِ: أفتأمن أَيهَا الْأَمِير حَادِثَة تحدث بَيْنك وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ فيحتج عَلَيْك بِمثل مَا احْتج بِهِ الرشيد على جَعْفَر؟ فجزاه خيرا، وَأمر أَن يرفع عَن زيد السَّيْف، وَأَن يرد إِلَى محبسه فَلم يزل مَحْبُوسًا حَتَّى ظهر أَمر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فجد أهل بَغْدَاد بالْحسنِ بن سهل فأخرجوه مِنْهَا.
قَالَ: وَكَانَ حَبسه عِنْد الطّيب بن يحيى، وَكَانَ صَاحب حرسه، قَالَ: وَحبس مَعَه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْجَعْفَرِي، أَخا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد صَاحب الْبَصْرَة، فضيق عَلَيْهِمَا محبسهما حَتَّى جَعلهمَا فِي سفينة، وأطبق عَلَيْهَا ألواحًا، وَجعل لَهَا فتحا يدْخل مِنْهُ الطَّعَام وَالشرَاب، وَعِنْدَهُمَا دن مَقْطُوع الرَّأْس يحدثان فِيهِ، فَإِذا كَاد يمتلئ، أخرج فَرمي مَا فِيهِ، ثمَّ رد.
فَلم يزل ذَلِك حَالهمَا، حَتَّى بَايع الْمَأْمُون لعَلي بن مُوسَى الرِّضَا، فَكتب إِلَى الْحسن فِي إطلاقهما، فَفعل الْحسن ذَلِك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع