تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

يحيى الْبَرْمَكِي يغري الرشيد بِجَعْفَر بن الْأَشْعَث

وَحدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن الْأَثْرَم، فِي هَذَا الْكتاب، فِي خبر مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس بن عمار، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن النَّوْفَلِي، وَهُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن نَوْفَل، قَالَ: حَدثنِي أبي، أَن بَدْء سعي يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي، على مُوسَى بن جَعْفَر، كَانَ سَببه وضع الرشيد ابْنه مُحَمَّدًا فِي حجر جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، فسَاء ذَلِك يحيى، وَقَالَ: إِذا مَاتَ الرشيد، وأفضى الْأَمر إِلَى وَلَده مُحَمَّد انْقَضتْ دَوْلَتِي، ودولة وَلَدي، وتحول الْأَمر إِلَى جَعْفَر وَولده، وَقد كَانَ عرف مَذْهَب جَعْفَر فِي التَّشَيُّع، فأظهر لَهُ إِنَّه على مذْهبه، فَلَمَّا أنس بِهِ جَعْفَر، أفْضى إِلَيْهِ بِجَمِيعِ أمره، وَذكر لَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي مُوسَى بن جَعْفَر.

وَكَانَ الرشيد يرْعَى لَهُ مَوْضِعه، وَمَوْضِع أَبِيه من الْخُلَفَاء، فَكَانَ يقدم فِي

أمره وَيُؤَخر، وَيحيى لَا يألو أَن يحطب عَلَيْهِ، إِلَى أَن دخل يَوْمًا على الرشيد، وَجرى بَينهمَا حَدِيث، فمت جَعْفَر بخدمته وخدمة أَبِيه، فَأمر لَهُ بِعشْرين ألف دِينَار، فَأمْسك يحيى أَيَّامًا، ثمَّ قَالَ للرشيد: قد كنت أخْبرك عَن جَعْفَر ومذهبه، فأكذب عَنهُ، وَهَا هُنَا أَمر فِيهِ الْفَصْل، إِنَّه لَا يصير إِلَيْهِ مَال إِلَّا أخرج خمسه فَوجه بِهِ إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر، وَلست أَشك أَنه فعل ذَلِك فِي الْعشْرين ألف دِينَار الَّتِي أمرت لَهُ بهَا.

فَأرْسل الرشيد إِلَى جَعْفَر لَيْلًا يستدعيه، وَقد كَانَ جَعْفَر عرف سِعَايَة يحيى عَلَيْهِ، مساسًا للعداوة، فَلَمَّا طرق جعفرًا رَسُول الرشيد لم يشك أَنه سمع من يحيى فِيهِ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ مَاء، ودعا بمسك وكافور، وتحنط بهما، وَلبس بردة، وَأَقْبل إِلَى الرشيد، فَلَمَّا دنا مِنْهُ ليخاطبه، شم مِنْهُ رَائِحَة الكافور، وَرَأى الْبردَة، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جَعْفَر؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، قد علمت أَنه يسْعَى عَليّ عنْدك، فَلَمَّا جَاءَنِي رَسُولك فِي هَذِه السَّاعَة، علمت أَنَّك أرْسلت إِلَيّ لتقتلني.

قَالَ: كلا، وَلَكِن أخْبرت أَنَّك تبْعَث إِلَى مُوسَى بن جَعْفَر من كل مَا يصير إِلَيْك بخمسه، وَأَنَّك قد فعلت ذَلِك فِي الْعشْرين ألف دِينَار، وأحببت أَن أعلم ذَلِك.

فَقَالَ جَعْفَر: الله أكبر، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، مر بعض خدمك يذهب فيأتيك بهَا بخاتمها.

فَقَالَ الرشيد لبَعض الخدم: خُذ خَاتم جَعْفَر وَانْطَلق حَتَّى تَأتي بِهَذَا المَال، وأسمى لَهُ جَارِيَته الَّتِي مَاله عِنْدهَا، فَدفعت إِلَيْهِ الْبَدْر بخواتمها، فَأتى بهَا إِلَى الرشيد.

فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، هَذَا أول مَا تعرف بِهِ كذب من سعى بِي إِلَيْك.

فَقَالَ: صدقت، انْصَرف آمنا، فَإِنِّي لَا أقبل فِيك، بعد هَذَا قَول أحد.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.