من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
اشْترى الرشيد لطبيبه ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم
وَحدث جِبْرِيل بن بختيشوع، قَالَ: كنت مَعَ الرشيد، بالرقة، وَمَعَهُ الْمَأْمُون وَمُحَمّد، وَكَانَ الرشيد رجلا كثير الْأكل وَالشرب، فَأكل فِي بعض الْأَيَّام أَشْيَاء خلط فِيهَا، وَدخل المستراح، فَغشيَ عَلَيْهِ فِيهِ.
فَأخْرج وَقد قوي عَلَيْهِ الغشي، حَتَّى لم يشك غلمانه فِي مَوته، وَحضر ابناه، وشاع عِنْد الْخَاصَّة والعامة خَبره.
وَأرْسل إِلَيّ، فَجئْت، فجسست عرقه، فَوجدت نبضًا خَفِيفا، وَأخذت عرقًا فِي رجله فَكَانَ كَذَلِك، وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاءً وحركة الدَّم.
فَقلت لَهُم: إِنَّه لم يمت، وَالصَّوَاب أَن يحجم السَّاعَة.
فَقَالَ كوثر الْخَادِم، لما يعرف من أَمر الْخلَافَة وإفضائها إِلَى صَاحبه مُحَمَّد: يَا ابْن الفاعلة، تَقول أحجموا رجلا مَيتا؟ لَا يقبل قَوْلك وَلَا كَرَامَة.
فَقَالَ الْمَأْمُون: الْأَمر قد وَقع، وَلَيْسَ يضر أَن نحجمه.
وأحضر الْحجام، فتقدمت، وَقلت لَهُ: ضع محاجمك، فَفعل، فَلَمَّا مصها رَأَيْت الْموضع قد احمر، فطابت نَفسِي بذلك، وَعلمت أَنه حَيّ.
فَقلت للحجام: اشرط، فَشرط، فَخرج الدَّم، فسجدت شكرا لله تَعَالَى، وَجعل كلما خرج الدَّم، تحرّك رَأسه، وأسفر لَونه، إِلَى أَن تكلم.
فَقَالَ: أَيْن أَنا؟ فطيبت نَفسه، وغديناه بصدر دراج، وسقيناه نبيذًا، وَمَا زلت أسعطه بالطيب فِي أَنفه، حَتَّى تراجعت إِلَيْهِ قوته، وَأدْخل الْخَاصَّة والقواد إِلَيْهِ، فَسَلمُوا عَلَيْهِ من بعد، لما كَانَ قد شاع من خَبره، ثمَّ تكاملت قوته، ووهب الله لَهُ الْعَافِيَة.
فَلَمَّا برأَ من علته، دَعَا صَاحب حرسه، وحاجبه، وَصَاحب شرطته، فَسَأَلَ صَاحب الحرس عَن غَلَّته فِي كل سنة، فَعرفهُ أَنَّهَا ألف ألف دِرْهَم، وَسَأَلَ صَاحب شرطته عَن غَلَّته، فَعرفهُ أَنَّهَا خمس مائَة ألف دِرْهَم.
ثمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيل: كم غلتك؟ فَقلت: خَمْسُونَ ألف دِرْهَم.
فَقَالَ: مَا أنصفناك، حَيْثُ غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني، ويحجبوني عَن النَّاس، على مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَتَكون غلتك مَا ذكرت، وَأمر بإقطاعي مَا قِيمَته ألف ألف دِرْهَم.
فَقلت: يَا سَيِّدي مَا لي حَاجَة إِلَى الإقطاع، وَلَكِن تهب لي مَا أَشْتَرِي بِهِ ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم، فَفعل، وَتقدم بمعاونتي على ابتياعها.
فابتعت بهباته، وجعالاته، ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم، فَجَمِيع مَا أمتلكه ضيَاع لَا إقطاع فِيهَا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع