تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

ابرأته مضيرة لعقت فِيهَا أَفْعَى

حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ، الْمَعْرُوف بِابْن حمدون، قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الرَّازِيّ الْفَقِيه ﵀، قَالَ: سَمِعت أَبَا بكر بن قَارون الرَّازِيّ، وَكَانَ تلميذًا لأبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب، قَالَ أَبُو بكر بن حمدون: وَقد رَأَيْت هَذَا الرجل بِالريِّ، وَكَانَ يحسن علومًا كَثِيرَة، مِنْهَا الحَدِيث، وَيَرْوِيه، ويكتبه النَّاس عَنهُ، ويوثقونه، وَلم أسمع هَذَا مِنْهُ، قَالَ الْمُؤلف ﵀: وَلم يتهيأ لي مَعَ كَثْرَة ملاقاتي أَبَا بكر الرَّازِيّ الْفَقِيه ﵀، أَن أسمع هَذَا الْخَبَر مِنْهُ، قَالَ ابْن قَارون: حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب، بعد رُجُوعه من عِنْد أَمِير خُرَاسَان، لما استدعاه ليعالجه من عِلّة صعبة، قَالَ: اجتزت فِي طريقي إِلَى نيسابور، ببسطام، وَهِي النّصْف من طَرِيق نيسابور إِلَى الرّيّ.

قَالَ: فاستقبلني رئيسها، فأنزلني دَاره، وخدمني أتم خدمَة وسألني أَن أَقف على ابْن لَهُ بِهِ استسقاء.

فَأَدْخلنِي إِلَى دَار قد أفردها لَهُ، فشاهدت العليل، وَلم أطمع فِي برئه، فَسَأَلَنِي

أَبوهُ عَن السِّرّ فِي حَاله، فصدقته، وآيسته من حَيَاة ابْنه.

وَقلت لَهُ: مكنه من شهواته، فَإِنَّهُ لَا يعِيش.

ثمَّ خرجت إِلَى خُرَاسَان، فأقمت بهَا سنة كَامِلَة، وعدت، فاستقبلني الرجل أَبُو الصَّبِي فَلم أَشك فِي وَفَاته، وَتركت مساءلته عَن ابْنه، فَإِنِّي كنت نعيته إِلَيْهِ، وخشيت من تثقيلي عَلَيْهِ، فأنزلني دَاره، وَلم أجد عِنْده مَا يدل على ذَلِك، وكرهت مسائلته عَن ابْنه لِئَلَّا أجدد عَلَيْهِ حزنا.

فَقَالَ لي بعد أَيَّام: تعرف هَذَا الْفَتى؟ وَأَوْمَأَ إِلَى شَاب حسن الْوَجْه والسحنة، صَحِيح الْبدن، كثير الدَّم وَالْقُوَّة، قَائِم مَعَ الغلمان يخدمنا.

فَقلت: لَا.

فَقَالَ: هَذَا ابْني الَّذِي آيستني مِنْهُ عِنْد مضيك إِلَى خُرَاسَان.

فتحيرت، وَقلت لَهُ: عرفني سَبَب برئه.

فَقَالَ: إِنَّه كَانَ بعد قيامك من عِنْدِي، فطن أَنَّك آيستني مِنْهُ.

فَقَالَ لي: لست أَشك أَن هَذَا الرجل، وَهُوَ أوحد زَمَانه فِي الطِّبّ، قد آيسك مني، وَالَّذِي أَسأَلك، أَن تمنع هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: غلماني الَّذين كنت قد أخدمته إيَّاهُم، فَإِنَّهُم أترابي، وَإِذا رَأَيْتهمْ معافين، وَقد علمت أَنِّي ميت، تجدّد على قلبِي الْهم وَالْمَرَض، حَتَّى يعجل لي الْمَوْت، فأرحني من هَذَا بِأَن لَا أَرَاهُم، وأفرد لخدمتي دايتي.

فَفعلت مَا سَأَلَ، وَكَانَ يحمل إِلَى الداية فِي كل يَوْم مَا تَأْكُله، وَكَانَت الداية تَأتيه بِمَا يطْلب من غير حمية.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة، حمل إِلَى الداية مضيرةً لتأكل مِنْهَا، فتركتها بِحَيْثُ يَقع عَلَيْهَا نظر ابْني، وَمَضَت فِي شغل لَهَا.

فَذكرت بعد أَن عَادَتْ، أَن ابْني قد نهاها عَن أكل مَا فِي الغضارة، ووجدتها قد ذهب كثير مِمَّا كَانَ فِيهَا، وَبَقِي بعضه متغير اللَّوْن.

قَالَت: فَقلت لَهُ: مَا السَّبَب؟ فَقَالَ: رَأَيْت أَفْعَى عَظِيمَة قد خرجت من مَوضِع ودبت إِلَيْهَا وأكلت مِنْهَا ثمَّ قذفت فِيهَا، فَصَارَ لَوْنهَا كَمَا تَرين، فَقلت: أَنا ميت، وهوذا يلحقني ألم شَدِيد، وَمَتى أظفر بِمثل هَذَا؟ وَجئْت، فَأكلت من الغضارة مَا اسْتَطَعْت، لأموت عَاجلا وأستريح، فَلَمَّا لم أستطع زِيَادَة أكل رجعت حَتَّى جِئْت إِلَى فِرَاشِي، وَجئْت أَنْت.

قَالَت: وَرَأَيْت أَنا المضيرة على يَده وفمه فَصحت.

فَقَالَ: لَا تعلمي أبي شَيْئا، وادفني الغضارة بِمَا فِيهَا، لِئَلَّا يأكلها إِنْسَان فَيَمُوت، أَو حَيَوَان فيلسع إنْسَانا فيقتله، فَفعلت مَا قَالَ، وَخرجت إِلَيْك.

قَالَ: فَلَمَّا عَرفتنِي ذَلِك، ذهب عَليّ أَمْرِي، وَدخلت إِلَى ابْني، فَوَجَدته نَائِما.

فَقلت: لَا توقظيه، حَتَّى نَنْظُر مَا يكون من أمره.

فَأَتَيْته آخر النَّهَار، وَقد عرق عرقًا شَدِيدا، وَهُوَ يطْلب المستحم، فأنهضناه إِلَيْهِ، فَانْدفع بَطْنه، فَقَامَ من ليلته، وَمن غده، أَكثر من مائَة مجْلِس، فازداد يأسنا مِنْهُ، وَقل الْقيام، إِلَّا أَنه اسْتمرّ أَيَّامًا، ثمَّ انْقَطع الْقيام، وَقد صَار بَطْنه مثل بطُون الأصحاء، فَطلب فراريج، فَأكل، إِلَى أَن صَار كَمَا ترى.

فعجبت من ذَلِك، وَذكرت أَن الْحُكَمَاء الْأَوَائِل قَالَت: إِن المستسقي إِذا أكل من لحم حَيَّة عتيقة مزمنة لَهَا مئون سِنِين، برأَ، وَلَو قلت لَك: إِن هَذَا

علاجه، لظَنَنْت أَنِّي أدافعك، وَمن أَيْن يعلم كم عمر الْحَيَّة إِذا وجدت، فَسكت عَنْهَا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْعَاشِر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.