من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
لماذا قتل أَبُو سَلمَة الْخلال
وَذكر فِي بعض كتب الدولة: أَن أَبَا سَلمَة الْخلال، لما قوي الدعاة، وشارفوا الْعرَاق، وَقد ملكوا خُرَاسَان وَمَا بَينهَا وَبَين الْعرَاق، استدعى بني الْعَبَّاس، فصيرهم فِي منزله بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ لَهُ سرداب، فَجعل فِيهِ جَمِيع من كَانَ حَيا فِي ذَلِك الْوَقْت من ولد عبد الله ابْن الْعَبَّاس، وَفِيهِمْ السفاح، والمنصور، وَعِيسَى بن مُوسَى، وَهُوَ يُرَاعِي الْأَخْبَار.
وَكَانَ الدعاة يؤمرون بِقَصْدِهِ إِذا ظَهَرُوا وغلبوا على الْكُوفَة، ليعرفهم الإِمَام، فيسلمون الْأَمر إِلَيْهِ.
فَلَمَّا أوقع قَحْطَبَةَ بِابْن هُبَيْرَة الْوَقْعَة الْعَظِيمَة على الْفُرَات، وغرق قَحْطَبَةَ، وَانْهَزَمَ ابْن هُبَيْرَة، وَلحق بواسط، وتحصن بهَا، وَدخل ابْنا قَحْطَبَةَ الْكُوفَة
بالعسكر كُله، قَالُوا لأبي سَلمَة: أخرج إِلَيْنَا الإِمَام، فدافعهم، وَقَالَ: لم يحضر الْوَقْت الَّذِي يجوز فِيهِ ظُهُور الإِمَام، وأخفى الْخَبَر عَن بني الْعَبَّاس، وَعمل على نقل الْأَمر عَنْهُم، إِلَى ولد فَاطِمَة ﵃، وَكَاتب جمَاعَة مِنْهُم، فتأخروا عَنهُ.
وساء ظن بني الْعَبَّاس بِهِ، فاحتالوا حَتَّى أخرجُوا مولى لَهُم أسود كَانَ مَعَهم فِي السرداب، وَقَالُوا لَهُ: اعرف لنا الْأَخْبَار، فَعَاد إِلَيْهِم، وعرفهم أَن قَحْطَبَةَ غرق، وَأَن ابْن هُبَيْرَة انهزم، وَأَن ابْني قَحْطَبَةَ قد دخلا الْكُوفَة بالعسكر مُنْذُ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالُوا: اخْرُج وَتعرض لِابْني قَحْطَبَةَ، وأعلمهما بمكاننا، ومرهما بِأَن يكبسا الدَّار علينا ويخرجانا.
فَخرج الْمولى، وَكَانَ حميد بن قَحْطَبَةَ عَارِفًا بِهِ، فتعرض لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أعظم رُؤْيَته، وَقَالَ: وَيلك مَا فعل سادتنا، وَأَيْنَ هم؟ فخبره بخبرهم، وَأدّى إِلَيْهِ رسالتهم.
فَركب فِي قِطْعَة من الْجَيْش، وَأَبُو سَلمَة غافل، فجَاء حَتَّى ولج الدَّار، وَأرَاهُ الْأسود السرداب، فَدخل وَمَعَهُ نفر من الْجَيْش، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
فَقَالُوا: وَعَلَيْكُم السَّلَام.
فَقَالَ: أَيّكُم ابْن الحارثية؟ وَكَانَت أم أبي الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد بن
عَليّ بن عبد الله، وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، الَّذِي يُقَال لَهُ الإِمَام، لما بَث الدعاة، قَالَ لَهُم: إِن حدث بعدِي حدث، فالإمام ابْن الحارثية الَّذِي مَعَه الْعَلامَة، وَهِي: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
قَالَ: فَلَمَّا قَالَ ابْن قَحْطَبَةَ: أَيّكُم ابْن الحارثية؟ ابتدره أَبُو الْعَبَّاس، وَأَبُو جَعْفَر، كِلَاهُمَا يَقُول: أَنا ابْن الحارثية.
فَقَالَ ابْن قَحْطَبَةَ: فأيكما مَعَه الْعَلامَة؟ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر: فَعلمت أَنِّي قد أخرجت من الْأَمر، لِأَنَّهُ لم يكن معي عَلامَة.
فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ وتلا الْآيَة.
فَقَالَ لَهُ حميد بن قَحْطَبَةَ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، مد يدك أُبَايِعك، فَبَايعهُ.
ثمَّ انتضى سَيْفه، وَقَالَ: بَايعُوا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَبَايعهُ أخوته، وبنوا عَمه، وعمومته، وَالْجَمَاعَة الَّذين كَانُوا مَعَه فِي السرداب.
وَأخرجه إِلَى الْمِنْبَر بِالْكُوفَةِ، وَأَجْلسهُ عَلَيْهِ، فحصر أَبُو الْعَبَّاس عَن الْكَلَام، فَتكلم عَنهُ عَمه دَاوُد بن عَليّ، فَقَامَ دونه على الْمِنْبَر بمرقاة، وَجَاء أَبُو سَلمَة،
وَقد استوحش وَخَافَ.
فَقَالَ حميد: يَا أَبَا سَلمَة، زعمت أَن الإِمَام لم يقدم بعد؟ فَقَالَ أَبُو سَلمَة: إِنَّمَا أردْت أَن أدافع بخروجهم إِلَى أَن يهْلك مَرْوَان، فَإِن كَانَت لَهُ كرة لم يَكُونُوا قد عرفُوا فيهلكوا، وَإِن هلك مَرْوَان أظهرت أَمرهم على ثِقَة.
فأظهر أَبُو الْعَبَّاس قبُول هَذَا الْعذر مِنْهُ، وَأَقْعَدَهُ إِلَى جَانِبه، ثمَّ دبر عَلَيْهِ بعد مُدَّة حَتَّى قَتله.
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على غير هَذَا السِّيَاق، فَقَالُوا: قدم أَبُو الْعَبَّاس السفاح وَأَهله على أبي سَلمَة سرا، فَستر أَمرهم، وعزم على أَن يَجْعَلهَا شُورَى بَين ولد عَليّ وَالْعَبَّاس، حَتَّى يختاروا مِنْهُم من أَرَادوا.
ثمَّ خَافَ أَن لَا يتَّفق على الْأَمر، فعزم على أَن يعدل بِالْأَمر إِلَى ولد الْحسن وَالْحُسَيْن ﵃، وهم ثَلَاثَة: جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن، وَعبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ، وَعمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن.
وَوجه بكتب إِلَيْهِم مَعَ رجل من مواليهم من سَاكِني الْكُوفَة.
فَبَدَأَ بِجَعْفَر بن مُحَمَّد، فَلَقِيَهُ لَيْلًا، فَأعلمهُ أَنه رَسُول أبي سَلمَة، وَأَن مَعَه كتابا إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مَا أَنا وَأَبُو سَلمَة، وَهُوَ شيعَة لغيري؟ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول: تقْرَأ الْكتاب، وتجيب عَنهُ بِمَا رَأَيْت.
فَقَالَ جَعْفَر لِخَادِمِهِ، قرب مني السراج، فقربه، فَوضع عَلَيْهِ كتاب أبي سَلمَة، فأحرقه.
فَقَالَ: أَلا تجيب عَنهُ؟
فَقَالَ: الْجَواب مَا رَأَيْت.
ثمَّ أَتَى عبد الله بن الْحسن، فَقبل كِتَابه، وَركب إِلَى جَعْفَر.
فَقَالَ جَعْفَر: مرْحَبًا بك أَبَا مُحَمَّد، لَو أعلمتني لجئتك.
فَقَالَ: إِنَّه أَمر يجل عَن الْوَصْف.
فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا كتاب أبي سَلمَة يدعوني فِيهِ إِلَى الْأَمر، ويراني أَحَق النَّاس بِهِ، وَقد جَاءَ بِهِ شِيعَتِنَا من خُرَاسَان.
فَقَالَ لَهُ جَعْفَر: وَمَتى صَارُوا شيعتك؟ أَنْت وجهت أَبَا مُسلم إِلَى خُرَاسَان، وأمرته بِلبْس السوَاد؟ أتعرف أحدا مِنْهُم باسمه وَنسبه؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: كَيفَ يكونُونَ شيعتك، وَأَنت لَا تعرف أحدا مِنْهُم، وَلَا يعرفونك؟ فَقَالَ عبد الله: هَذَا الْكَلَام كَانَ مِنْك لشَيْء.
فَقَالَ جَعْفَر: قد علم الله تَعَالَى أَنِّي أوجب النصح على نَفسِي لكل مُسلم، فَكيف أدخره عَنْك، فَلَا تمنين نَفسك الأباطيل، فَإِن هَذِه الدولة ستتم لهَؤُلَاء الْقَوْم، وَمَا هِيَ لأحد من ولد أبي طَالب، وَقد جَاءَنِي مثل مَا جَاءَك.
فَانْصَرف غير رَاض بِمَا قَالَه لَهُ.
وَأما عمر بن عَليّ بن الْحُسَيْن، فَرد عَلَيْهِ الْكتاب، وَقَالَ: لَا أعرف من كتبه.
قَالَ: وَأَبْطَأ أَبُو سَلمَة على أبي الْعَبَّاس وَمن مَعَه، فَخرج أَصْحَابه يطوفون بِالْكُوفَةِ، فلقي حميد بن قَحْطَبَةَ، وَمُحَمّد بن صول أحد مواليهم، فعرفاه،
لِأَنَّهُ كَانَ يحمل إِلَيْهِم كتب مُحَمَّد بن عَليّ وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، فَسَأَلَاهُ عَن الْخَبَر، فأعلمهما أَن الْقَوْم قد قدمُوا، وَأَنَّهُمْ فِي سرداب يعرف ببني أود، فصارا إِلَى الْموضع، فسلما عَلَيْهِم.
وَقَالا: أيكما عبد الله؟ فَقَالَ الْمَنْصُور وَأَبُو الْعَبَّاس: كِلَانَا عبد الله.
فَقَالَ: أيكما ابْن الحارثية؟ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس: أَنا.
فَقَالَا: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، ودنوا فَبَايعُوهُ.
وأحضروه إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع، فَصَعدَ على الْمِنْبَر، فحصر، وَتكلم عَنهُ عَمه دَاوُد بن عَليّ، وَقَامَ دونه بمرقاة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع