من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أَمِير الْبَصْرَة العباسي يحمي أمويًا
أخبرنَا أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: حَدثنَا عمر بن شبة، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: أَخْبرنِي، طَارق بن الْمُبَارك عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَنِي رَسُول عَمْرو بن مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن عتبَة، فَقَالَ لي: يَقُول لَك عَمْرو: قد جَاءَت هَذِه الدولة وَأَنا حَدِيث السن، كثير الْعِيَال، منتشر الْأَمْوَال، فَمَا أكون فِي قَبيلَة إِلَّا وَشهر أَمْرِي، وَقد عزمت على أَن أفدي حرمي بنفسي، وَأَنا صائر إِلَى بَاب الْأَمِير سُلَيْمَان بن عَليّ، فصر إِلَيّ.
فوافيته، فَإِذا عَلَيْهِ طيلسان مطبق أَبيض، وَسَرَاويل وشي مشدود.
فَقلت: سُبْحَانَ الله، مَا تصنع الْحَادِثَة بِأَهْلِهَا، أَيهَا الْإِنْسَان تلقى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذين تُرِيدُ لقاءهم وَعَلَيْك مثل هَذَا؟ قَالَ: وَالله، مَا ذهب عَليّ ذَلِك، وَلَكِن لَيْسَ عِنْدِي ثوب، إِلَّا وَهُوَ أشهر من هَذَا.
فأعطيته طيلساني، وَأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إِلَى ركبته، فَدخل، ثمَّ خرج مَسْرُورا.
فَقلت: حَدثنِي بِمَا جرى بَيْنك وَبَين الْأَمِير.
قَالَ: دخلت إِلَيْهِ، وَلم يرني قطّ، فَقلت: أَيهَا الْأَمِير، لفظتني الْبِلَاد إِلَيْك، ودلني فضلك عَلَيْك، فإمَّا قبلتني غانمًا، وَإِمَّا رددتني سالما.
فَقَالَ: من أَنْت؟ فانتسبت إِلَيْهِ.
فَقَالَ: مرْحَبًا، أقعد فَتكلم، غانمًا مَسْرُورا، ثمَّ اقبل عَليّ، وَقَالَ: مَا حَاجَتك يَابْنَ أخي؟ فَقلت: إِن الْحرم اللواتي أَنْت أقرب النَّاس إلَيْهِنَّ، قد خفن بخوفنا، وَمن خَافَ خيف عَلَيْهِ.
فوَاللَّه مَا أجابني إِلَّا بدموعه تسيل على خديه، وَقَالَ: يَابْنَ أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك فِي حَرمك، ويوفر عَلَيْك مَالك، وَالله، لَو أمكنني ذَلِك فِي جَمِيع أهلك لفَعَلت، وَلَكِن كن متواريًا كظاهر، وآمنًا كخائف، ولتأتني رقاعك.
قَالَ: وَكَانَ، وَالله، يكْتب إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يكْتب الرجل إِلَى ابْن عَمه.
قَالَ: فَلَمَّا فرغ من كَلَامه، رددت عَلَيْهِ طيلسانه، فَقَالَ: مهلا، إِن ثيابنا إِذا خرجت عَنَّا، لم تعد إِلَيْنَا.
وَوجدت هَذَا الْخَبَر، بِإِسْنَاد لَيْسَ هُوَ لي، بِرِوَايَة عَن الْعُتْبِي، قَالَ: حَدثنَا طَارق بن الْمُبَارك الذِّرَاع الْبَصْرِيّ، وَلم يتجاوزه، قَالَ: قدم جدك عَمْرو بن مُعَاوِيَة الْبَصْرَة، حِين نكب بَنو أُميَّة، قَالَ: فَجعل لَا ينزل بحي، إِلَّا أجهزوه واشتهر.
فَقَالَ لي: أذهب بِنَا أَضَع يَدي فِي يَد هَذَا الرجل، يَعْنِي سُلَيْمَان بن عَليّ، وَذكر نَحوه.
وَقَالَ فِي آخِره: فَلَمَّا صَار عَمْرو إِلَى منزله، دفعت إِلَيْهِ ثَوْبه، وَطلبت ثوبي، فردهما عَليّ جَمِيعًا، وَقَالَ: إِنَّا لم نَأْخُذ ثَوْبك لنحبسه، وَلم نعطك ثوبنا لترده.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع