تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْفضل بن الرّبيع يتحدث عَمَّا لَاقَى أَيَّام استتاره من الْمَأْمُون

حَدثنِي عَليّ بن هِشَام أبي قِيرَاط الْكَاتِب، بواسط، فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاث مائَة، من لَفظه، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عَليّ بن مقلة، قبل وزارته الأولى، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بن سعيد الديناري، عَن أبي أَيُّوب سُلَيْمَان بن وهب عَن أبي طالوت كَاتب ابْن طَاهِر، قَالَ: سَمِعت الْفضل بن الرّبيع، يَقُول: لما استترت من الْمَأْمُون، أخفيت نَفسِي حَتَّى عَن عيالي وَوَلَدي، وَكنت أنتقل وحدي.

فَلَمَّا اقْترب الْمَأْمُون من بَغْدَاد، ازْدَادَ حذري، وخوفي على نَفسِي، فتشددت فِي الِاحْتِيَاط والتواري، وأفضيت إِلَى منزل بزاز كنت أعرفهُ فِي درب بِبَاب الطاق، وشدد الْمَأْمُون فِي طلبي فَلم يعرف لي خَبرا.

فتذكرني يَوْمًا، فاغتاظ على إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وجد بِهِ فِي طلبي، فَأَغْلَظ لَهُ، فَخرج إِسْحَاق من حَضرته، وجد بأصحاب الشَّرْط، وأوقع ببعضهم المكاره، ونادى فِي الْجَانِبَيْنِ، من جَاءَ بِهِ فَلهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم وإقطاع غَلَّته

ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فِي السّنة، وَإِن من وجد بعد النداء ضرب خمس مائَة سَوط وهدمت دَاره وَأخذ مَاله وَحبس طول الدَّهْر، فَنُوديَ بذلك عشيًا.

فَمَا شَعرت، إِلَّا وَصَاحب الدَّار قد دخل عَليّ وَأَخْبرنِي الْخَبَر، وَقَالَ: وَالله، مَا أقدر بعد هَذَا على سترك، وَلَا آمن من زَوْجَتي، وجاريتي، وَغُلَامِي، وَأَن تشره نُفُوسهم إِلَى المَال، فيدلون عَلَيْك، وَأهْلك بهلاكك، وَإِن صفح الْخَلِيفَة عَنْك، لم آمن من أَن تتهمني بِأَنِّي دللت عَلَيْك، فَيكون ذَلِك أقبح وأشنع، وَلَيْسَ الرَّأْي لي وَلَك إِلَّا أَن تخرج عني.

فورد عَليّ ذَلِك أعظم مورد، وَقلت: إِذا جَاءَ اللَّيْل خرجت عَنْك.

قَالَ: وَمن يُطيق الصَّبْر على هَذَا الضَّرَر إِلَى اللَّيْل، فَإنَّك إِن وجدت عِنْدِي قبل اللَّيْل أهلكتني وأهلكت نَفسك، وَهَذَا وَقت حَار، وَقد طَال عهد النَّاس بك، فَقُمْ وتنكر واخرج.

فَقلت: كَيفَ أتنكر؟ فَقَالَ: تَأْخُذ أَكثر لحيتك، وتغطي رَأسك وَبَعض وَجهك، وتلبس قَمِيصًا ضيقا، وَتخرج.

فَقلت: أفعل.

فجَاء بمقراض فَأخذت أَكثر لحيتي، وتنكرت، وَخرجت من عِنْده فِي أول أَوْقَات الْعَصْر، وَأَنا ميت خوفًا.

فمشيت فِي الشَّارِع، حَتَّى بلغت الجسر، فَوَجَدته قد رش، وَهُوَ خَال من النَّاس، متزلق.

فَلَمَّا توسطته، إِذا أَنا بِفَارِس من الْجند الَّذين كَانُوا فِي دَاري فِي أَيَّام وزارتي، قد قرب مني، فعرفني، وَقَالَ: طلبة أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَعدل إِلَيّ ليقْبض عَليّ.

فلحلاوة النَّفس دَفعته ودابته، فزلق، وَوَقع فِي بعض السفن الَّتِي فِي الجسر، وتعادى النَّاس لخلاصه، وظنوا أَنه زلق بِنَفسِهِ.

وتشاغل عني بهم، وزدت أَنا فِي الْمَشْي، وَلم أعد لِئَلَّا يُنكر حَالي من يراني، إِلَى أَن عبرت الجسر وَدخلت درب سُلَيْمَان.

فَوجدت امْرَأَة على بَاب دَار مَفْتُوح، فَقلت لَهَا: يَا امْرَأَة، أَنا خَائِف من الْقَتْل، فأجيريني واحقني دمي.

فَقَالَت: ادخل، وأومأت إِلَى غرفَة، فصعدتها.

فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة، إِذا بِالْبَابِ يدق، ففتحته، وَإِذا زَوجهَا قد دخل، فتأملته، فَإِذا هُوَ صَاحِبي على الجسر، وَهُوَ مشدود الرَّأْس يتأوه من شجة لحقته، وثيابه مغموسة بِالدَّمِ.

وَسَأَلته الْمَرْأَة عَن خَبره، فَأَخْبرهَا بالقصة، وَقَالَ لَهَا: قد زمنت دَابَّتي وأنفذتها لتباع فِي سوق اللَّحْم، وَقد فَاتَنِي الْغنى، وَجعل يَشْتمنِي، وَهُوَ لَا يعلم بوجودي مَعَه فِي الدَّار، وَأَقْبَلت الْمَرْأَة تترفق بِهِ إِلَى أَن هدأ.

فَلَمَّا صليت الْمغرب، وَأَقْبل الظلام، صعدت الْمَرْأَة إِلَيّ، وَقَالَت: أَظُنك صَاحب الْقِصَّة مَعَ هَذَا الرجل.

فَقلت: نعم.

فَقَالَت: قد سَمِعت مَا عِنْده، فَاتق الله فِي نَفسك واخرج، فدعوت لَهَا.

فَنزلت، ففتحت الْبَاب فتحا رَفِيقًا، وَقَالَت: اخْرُج، وَكَانَت الدرجَة فِي الدهليز، فأفضيت إِلَى الْبَاب، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى آخر الدَّرْب وجدت الحراس قد أغلقوه، فتحيرت.

ثمَّ رَأَيْت رجلا يفتح بَابا بمفتاح رومي، فَقلت: هَذَا رومي، وَهُوَ مِمَّن يقبل مثلي.

فدنوت مِنْهُ وَقلت: استرني، سترك الله.

فَقَالَ: ادخل، فَدخلت، فرأيته رجلا فَقِيرا وحيدًا، فأقمت لَيْلَتي عِنْده، وَبكر من غَد، وَعَاد نصف النَّهَار وَمَعَهُ حمالان يحمل أَحدهمَا حَصِيرا ومخدة، وجرار، وكيزان، وغضائر جددًا، وَقدرا جَدِيدا، وَيحمل الآخر خبْزًا وَفَاكِهَة، وَلَحْمًا، وثلجًا، فَدخل، وَترك ذَلِك كُله عِنْدِي، وأغلق الْبَاب.

فَنزلت، وعذلته، وَقلت لَهُ: لم كلفت نَفسك هَذَا؟ فَقَالَ: أَنا رجل مزين، وأخاف أَن تستقذرني، وَقد أفردت لَك هَذَا، فاطبخ أَنْت وأطعمني فِي غضارة أجيء بهَا من عِنْدِي، فشكرته على ذَلِك، وأقمت عِنْده ثَلَاثَة أَيَّام.

فَلَمَّا كَانَ آخر الْيَوْم الثَّالِث، ضَاقَ صَدْرِي، فَقلت لَهُ: يَا أخي الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام، وَقد أَحْسَنت وأجملت، وَأُرِيد الْخُرُوج.

فَقَالَ: لَا تفعل، فَإِنِّي وحيد، وَلست مِمَّن يطْرق، وخبرك لَا يخرج من عِنْدِي أبدا، فأقم إِلَى أَن يفرج الله عَنْك، فلست أتثاقل بك.

فأبيت للحين، وَخرجت على وَجْهي أُرِيد منزل عَجُوز بِبَاب التِّبْن من

موالينا، فدققت الْبَاب عَلَيْهَا، فَخرجت، فَلَمَّا رأتني بَكت، وحمدت الله على رؤيتي، وأدخلتني الدَّار.

فَلَمَّا كَانَ فِي السحر، وَأَنا نَائِم، بكرت الْعَجُوز فغمزت عَليّ بعض أَصْحَاب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، فَمَا شَعرت إِلَّا بِإسْحَاق نَفسه، فِي خيله وَرجله، قد أحَاط بِالدَّار، ثمَّ كبسها واستخرجني مِنْهَا، حَتَّى أوقفني بَين يَدي الْمَأْمُون حافيًا حاسرًا.

فَلَمَّا رَآنِي سجد طَويلا ثمَّ رفع رَأسه، وَقَالَ: يَا فضل، أَتَدْرِي لم سجدت؟ فَقلت: نعم، شكرا لله تَعَالَى الَّذِي أظفرك بعدو دولتك، المغري بَيْنك وَبَين أَخِيك.

قَالَ: مَا أردْت هَذَا، وَلَكِنِّي سجدت شكرا لله على مَا ألهمنيه من الْعَفو عَنْك، فَحَدثني بخبرك؟ فشرحته لَهُ من أَوله إِلَى آخِره.

فَأمر بإحضار الْعَجُوز مولاتنا، وَكَانَت فِي الدَّار تنْتَظر الْجَائِزَة، فَقَالَ لَهَا: مَا حملك على مَا فعلت، مَعَ إنعامه وإنعام أَهله عَلَيْك؟ قَالَت: رَغْبَة فِي المَال.

قَالَ: هَل لَك زوج أَو ولد أَو أَخ؟ قَالَت: لَا، فَأمر بضربها مائَة سَوط، وتخليدها فِي السجْن.

ثمَّ قَالَ لإسحاق: أحضر السَّاعَة الجندي، وَامْرَأَته، والمزين، فَحَضَرُوا فِي مجْلِس وَاحِد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أَنهم الْقَوْم بأعيانهم.

فَسَأَلَ الجندي عَن السَّبَب الَّذِي حمله على فعله، فَقَالَ: الرَّغْبَة فِي المَال،

وَوَاللَّه، إِنَّه الَّذِي أثبتني فِي الْجَيْش، وَلَكِنِّي رغبت فِي المَال العاجل.

فَقَالَ: أَنْت بِأَن تكون حجامًا أولى بِأَن تكون من أوليائنا، وَأمر بِأَن يسلم للمزينين فِي الدَّار، ويوكل بِهِ من يعسفه حَتَّى يتَعَلَّم الْحجامَة.

وَأمر باستخدام زَوجته قهرمانة فِي دور حرمه، وَقَالَ: هَذِه الْمَرْأَة عَاقِلَة أديبة.

وَأمر بِتَسْلِيم دَار الجندي وقماشه إِلَى المزين، وَأَن يَجْعَل رزقه لَهُ، وَيجْعَل جنديًا مَكَان ذَلِك الجندي، وأطلقني إِلَى دَاري.

فَرَجَعت إِلَيْهَا آخر النَّهَار، آمنا، مطمئنًا.

وَوجدت الْخَبَر بِخِلَاف هَذَا فِي كتاب الوزراء لِابْنِ عَبدُوس، فَإِنَّهُ ذكر: أَن الْفضل ابْن الرّبيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عَلَيْهِ الْأَخْبَار، فَغير زيه، وَخرج فِي السحر، وَكَانَ استتر بِنَاحِيَة الحربية من الْجَانِب الغربية.

فَمشى وَهُوَ لَا يدْرِي أَيْن يقْصد، لحيرته، وَبعد عَهده بالطرق، فأداه الْمَشْي إِلَى الجسر، وَقد أَسْفر الصُّبْح، فأيقن بالعطب، وَقصد منزلا لرجل كَانَت بَينه وَبَينه مَوَدَّة، بسويقة نصر.

فَلَمَّا صَار بِبَعْض المشارع، سمع النداء عَلَيْهِ، ببذل عشرَة آلَاف دِرْهَم، فتخفى حَتَّى جاوزه الركْبَان والمنادي، وَمَشى.

فَرَآهُ رجل، فانتبه لَهُ، وَقَالَ: يَا فضل، وَكَانَ فِي أحد جَانِبي الطَّرِيق الَّذِي الْفضل فِيهِ، فأمه إِلَى الْجَانِب الَّذِي كَانَ فِيهِ، ليقْبض عَلَيْهِ، فَاعْتَرَضتهُ

حمير وجمال عَلَيْهَا جص.

وَنظر الْفضل يَمِينا وَشمَالًا، فَلم يجد مذهبا، وبصر بدرب، فدخله، فَوَجَدَهُ لَا ينفذ، وَوجد فِي صَدره بَابا مَفْتُوحًا، فهجم على الْمنزل، وَفِيه امْرَأَة، فاستغاث بهَا، فَأَجَارَتْهُ، وبادرت إِلَى الْبَاب فأغلقته، وناشدها الله أَن تستره إِلَى اللَّيْل، فَأَمَرته بالصعود إِلَى غرفَة لَهَا، فَلم يسْتَقرّ بِهِ الْقعُود حَتَّى دق الْبَاب، فَلَمَّا فتح الْبَاب، دخل الرجل الَّذِي رَآهُ، وعزم على الْقَبْض عَلَيْهِ، وَإِذا الْمنزل لَهُ.

فَقَالَ لزوجته: فَاتَنِي السَّاعَة عشرَة آلَاف دِرْهَم.

قَالَت لَهُ: وَكَيف ذَلِك؟ قَالَ لَهَا: مر بِي الْفضل، فمددت يَدي لأقبض عَلَيْهِ، فابتلعته الأَرْض.

فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: الْحَمد لله، ﷿، الَّذِي كَفاك أمره وَأبقى دينك عَلَيْك، وَلم تكن سَببا لسفك دَمه، أَو مَكْرُوه يلْحقهُ.

فَلَمَّا خرج، صعدت إِلَيْهِ، فَقَالَت: قد سَمِعت، وَمَا هَذَا الْمَكَان لَك بِموضع، فَخرج إِلَى بعض منَازِل معامليه، فَلَمَّا صَار إِلَيْهِ، نبه الْعَامِل عَلَيْهِ، وأسلمه إِلَى طالبيه، فَحمل إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمَّا رَآهُ، وَسَأَلَهُ عَن خَبره، شرح لَهُ قصَّته، فَأمر للْمَرْأَة بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم، وَقَالَ للرسول: قل لَهَا، يَقُول لَك الْفضل: هَذَا جَزَاء لَك على مَا فعلته من الْجَمِيل، فَردَّتهَا، وأبت قبُولهَا، وَقَالَت: لست آخذ على شَيْء فعلته لله ﷿، جَزَاء، إِلَّا مِنْهُ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّانِي عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.