من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
وَمَا قتل الْأَحْرَار كالعفو عَنْهُم
حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع، الْمُتَكَلّم الْبَغْدَادِيّ، الملقب بجنيد، قَالَ: حَدثنَا الْفضل بن ماهان السيرافي، وَكَانَ مَشْهُورا بسلوك أقاصي بِلَاد الْبَحْر، قَالَ؛ قَالَ لي رجل من بعض بياسرة الْهِنْد، والبيسر هُوَ الْمَوْلُود على مِلَّة الْإِسْلَام هُنَاكَ، قَالَ: كَانَ فِي أحد بِلَاد الْهِنْد ملك حسن السِّيرَة، وَكَانَ لَا يَأْخُذ وَلَا يُعْطي مُوَاجهَة، وَإِنَّمَا كَانَ يقلب يَده إِلَى وَرَاء ظَهره.
فَيَأْخُذ وَيُعْطِي بهَا، إعظامًا للْملك، وَهِي سنة لَهُم هُنَاكَ ولأولادهم.
وَإنَّهُ توفّي، فَوَثَبَ رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابْن لَهُ كَانَ يصلح للْملك خوفًا على نَفسه من المتغلب.
ورسوم مُلُوك الْهِنْد، أَن الْملك إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه، لأي حَاجَة عرضت لَهُ، كَانَت عَلَيْهِ صدرة، قد جمع فِيهَا كل نَفِيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مَضْرُوب فِي الإبريسم فِي الصدرة، وَيكون فِيهَا من الْجَوَاهِر مَا إِن لَو أَرَادَ أَن يُقيم بهَا ملكا أَقَامَهُ.
قَالَ: وَيَقُولُونَ: لَيْسَ بِملك من إِذا قَامَ عَن مَجْلِسه وَلَيْسَت مَعَه، حَتَّى إِذا حدثت عَلَيْهِ حَادِثَة وهرب بهَا أمكنه إِقَامَة ملك مِنْهَا.
فَلَمَّا حدثت على الْملك تِلْكَ الْحَادِثَة، أَخذ ابْنه صدرته وهرب بهَا.
فَحكى عَن نَفسه: أَنه مَشى ثَلَاثَة أَيَّام، قَالَ: وَلم أطْعم طَعَاما، وَلم تكن معي فضَّة وَلَا ذهب، فأبتاع بِهِ مَأْكُولا، وَلم أقدر على إِظْهَار مَا معي، وأنفت أَن أستطعم.
قَالَ: فَجَلَست على قَارِعَة الطَّرِيق، فَإِذا رجل هندي، مقبل وعَلى كتفه كارة، فحطها وَجلسَ حذائي.
فَقلت: أَيْن تُرِيدُ؟ قَالَ: الرستاق الْفُلَانِيّ.
قلت: وَأَنا الآخر كَذَلِك.
قَالَ؛ فنصطحب؟ قلت: نعم.
فصحبته طَمَعا فِي أَن يعرض عَليّ شَيْئا من مأكوله، فَلم يفعل، وَلم تطب نَفسِي أَن أبدأه بالسؤال.
فَلَمَّا فرغ قَامَ يمشي، فمشيت مَعَه، وَبت مَعَه، طَمَعا فِي أَن تحمله المؤانسة على الْعرض عَليّ، فَعمل بِاللَّيْلِ كَمَا عمل بِالنَّهَارِ.
قَالَ: وأصبحنا فِي غَد، فمشينا، فعاملني بِمثل ذَلِك أَرْبَعَة أَيَّام، فَصَارَ لي سَبْعَة أَيَّام لم أذق فِيهَا شَيْئا.
فَأَصْبَحت فِي الثَّامِن ضَعِيفا مهووسًا لَا قدرَة لي على الْمَشْي، فعدلت عَن الطَّرِيق، وَفَارَقت الرجل، فَرَأَيْت قوما يبنون، وقيمًا عَلَيْهِم، فَقلت للقيم: استعملني مثل هَؤُلَاءِ بِأُجْرَة تعطينيها عشيًا.
فَقَالَ: نعم، ناولهم الطين.
فَقلت: عجل لي أُجْرَة يَوْم، فَفعل، فابتعت بهَا مَا أَكلته.
وَقمت أناولهم الطين، فَكنت، لعادة الْملك، أقلب يَدي إِلَى ظَهْري وأعطيهم الطين، فَكَمَا أذكر أَن ذَلِك خطأ يُنَبه عَليّ ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذَلِك،
فأرد يَدي بِسُرْعَة من قبل أَن يفطنوا بِي.
قَالَ: فلمحتني امْرَأَة قَائِمَة، فَأخْبرت سيدتها بخبري، وَكَانَت صَاحِبَة الْبناء، وَقَالَت: لَا بُد أَن يكون هَذَا من أَوْلَاد الْمُلُوك.
قَالَ: فَلَمَّا انْقَضى النَّهَار، وَانْصَرف الصناع، فَأَرَدْت الِانْصِرَاف مَعَهم.
تقدّمت إِلَى الْقيم أَن يحبسني عَن الْمُضِيّ مَعَ الصناع، فاحتبسني.
فجاءتني بالدهن وَالْعُرُوق لأغتسل بهما، وَهَذَا مُقَدّمَة إكرامهم، وَسنة لعظمائهم، فتغسلت بذلك، وجاءوني بالأرز وَالسمن وَالسكر، فطعمت، وَعرضت الْمَرْأَة عَليّ نَفسهَا بِالتَّزْوِيجِ، فأجبت، وعقدت العقد، وَدخلت بهَا من لَيْلَتي، وأقمت مَعهَا أَربع سِنِين، تُعْطِينِي من مَالهَا، وتنفق عَليّ، وَكَانَت لَهَا نعْمَة.
فَأَنا ذَات يَوْم جَالس على بَاب دارها، وَإِذا بِرَجُل من بلدي، فاستدعيته، فجَاء، فَقلت لَهُ: من أَيْن أَنْت؟ فَقَالَ: من بلد كَذَا وَكَذَا، فَذكر بلدي.
فَقلت: مَا جِئْت تصنع هَاهُنَا؟ قَالَ: كَانَ فِينَا ملك، حسن السِّيرَة، فَمَاتَ، فَوَثَبَ على ملكه رجل لَيْسَ من أهل المملكة، وَكَانَ للْملك الأول ابْن يصلح للْملك، فخاف على نَفسه فهرب، وَإِن الْملك المتغيب أَسَاءَ عشرَة الرّعية، فوثبنا عَلَيْهِ فقتلناه، وانتشرنا فِي الْبِلَاد نطلب ابْن الْملك المتوفي، لنجلسه مَكَان أَبِيه، فَمَا عرفنَا لَهُ خَبرا.
فَقلت: أتعرفني؟ قَالَ: لَا.
قلت: أَنا طلبتكم.
قَالَ: وأعطيته العلامات، فَعلم صِحَة مَا قلته لَهُ، فَكفر لي.
فَقلت: أكتم أمرنَا إِلَى أَن ندخل النَّاحِيَة.
قَالَ: أفعل.
فَدخلت إِلَى الْمَرْأَة، فأعلمتها بالْخبر، وحدثتها بأَمْري كُله، وأعطيتها الصدرة.
وَقلت: هَذِه قيمتهَا كَذَا وَكَذَا، وَمن حَالهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَنا مَاض مَعَ الرجل، فَإِن كَانَ مَا ذكره صَحِيحا، فَإِن الْعَلامَة أَن يجيئك رَسُولي فيذكر الصدرة، فانهضي إِلَيّ، وَإِن كَانَت مكيدة كَانَت الصدرة لَك.
قَالَ: وَمضى مَعَ الرجل، فَكَانَ الْأَمر صَحِيحا، فأنفذ إِلَى زَوجته من حملهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَت.
فحين اجْتمع شَمله، واستقام أمره، أَمر البنائين فبنوا لَهُ دَار ضِيَافَة عَظِيمَة، وَأمر أَن لَا يجوز فِي عمله مجتاز إِلَّا حمل إِلَيْهَا، فيضاف فِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام، ويزود لثَلَاثَة أَيَّام أخر، فَكَانَ يفعل ذَلِك، وَهُوَ يُرَاعِي الرجل الَّذِي صَحبه فِي سَفَره، وَيقدر أَن يَقع فِي يَده.
فَلَمَّا كَانَ بعد حول، استعرض النَّاس، وَكَانَ يستعرضهم فِي كل يَوْم، فَلَا يرى الرجل، فيصرفهم، فَلَمَّا كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم، رأى الرجل بَينهم.
فحين وَقعت عينه عَلَيْهِ، أعطَاهُ ورقة تنبول، وَهَذِه عَلامَة غَايَة الْإِكْرَام،
وَنِهَايَة رُتْبَة الإعظام، إِذا فعله الْملك بِإِنْسَان من رَعيته.
فحين فعل ذَلِك بِالرجلِ، كفر لَهُ، وَقبل الأَرْض، فَأمر الْملك بتغيير حَاله، وإحسان ضيافته.
ثمَّ استدعاه، فَقَالَ لَهُ: أتعرفني؟ فَقَالَ: كَيفَ لَا أعرف الْملك، وَهُوَ من عظم شَأْنه، وعلو سُلْطَانه، بِحَيْثُ هُوَ.
قَالَ: لم أرد هَذَا، أتعرفني قبل هَذَا الْحَال؟ قَالَ: لَا.
فَذكره الْملك بالقصة، وَمنعه إِيَّاه من الطَّعَام فِي السّفر.
قَالَ: فبهت الرجل.
فَقَالَ الْملك: ردُّوهُ إِلَى الدَّار، وزيدوا فِي إكرامه، وَحضر الطَّعَام فأطعم.
فَلَمَّا أَرَادَ النّوم، قَالَ الْملك لزوجته: اذهبي إِلَى هَذَا الرجل فاغمزيه.
قَالَ: فَجَاءَت الْمَرْأَة، فَلم تزل تغمزه إِلَى أَن نَام، فَجَاءَت إِلَى الْملك،
وَقَالَت: إِنَّه قد نَام.
قَالَ: لَيْسَ هَذَا نوم، حركوه، فحركوه، فَإِذا هُوَ ميت.
قَالَ: فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: أَي شَيْء هَذَا؟ قَالَ: فساق لَهَا حَدِيثه مَعَه، وَقَالَ: وَقع فِي يَدي، فتناهيت فِي إكرامه، والهند لَهُم أكباد عَظِيمَة، وأفهام طريفة، فأدخلت عَلَيْهِ حسرة عَظِيمَة إِذْ لم يحسن إِلَيّ، فَقتلته، وَقد كنت أتوقع مَوته قبل هَذَا بِمَا توهمه واستشعره من الْعلَّة فِي نَفسه، لفرط الْحَسْرَة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع