من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عبد الْملك بن مَرْوَان يُؤمن ابْن قيس الرقيات ويحرمه الْعَطاء
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن، الْمَعْرُوف بالأصبهاني، إجَازَة فِي كِتَابه: الأغاني الْكَبِير، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي، وَأَبُو عبد الله الحرمي بن أبي الْعَلَاء وَغَيرهمَا، قَالُوا: حَدثنَا الزبير بن بكار، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْبَصِير الْبَرْبَرِي، مولى قيس بن عبد الله بن الزبير، عَن أَبِيه، قَالَ: قَالَ عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مَعَ مُصعب بن الزبير، حِين بلغه خُرُوج عبد الْملك بن مَرْوَان، فَلَمَّا نزل مُصعب مسكن، وَتبين الْغدر مِمَّن مَعَه، دَعَاني، ودعا بِمَال، فَمَلَأ المناطق مِنْهُ، وألبسنيها.
وَقَالَ: امْضِ حَيْثُ شِئْت، فَإِنِّي مقتول.
فَقلت: لَا وَالله، لَا أروح حَتَّى آتِي سَبِيلك، فأقمت مَعَه حَتَّى قتل.
ومضيت إِلَى الْكُوفَة، فَأول بَيت دَخلته إِذا فِيهِ امْرَأَة مَعهَا بنتان كَأَنَّهُمَا
ظبيتان، فرقيت فِي دَرَجَة لَهَا إِلَى مستشرف، فَقَعَدت فِيهِ.
قَالَ: فأصعدت لي مَا أحتاج إِلَيْهِ من الطَّعَام، وَالشرَاب، والفرش، وَالْمَاء، وَالْوُضُوء.
فأقمت كَذَلِك عِنْدهَا أَكثر من حولن تقوم بِكُل مَا يصلحني، وتغدو عَليّ فِي كل صباح، فتسألني عَن حوائجي، فَمَا سَأَلتنِي من أَنا، وَلَا أَنا سَأَلتهَا من هِيَ؟ وَأَنا فِي أثْنَاء ذَلِك أسمع الصياح فِي، والجعل.
فَلَمَّا طَال بِي الْمقَام، وفقدت الصياح والجعل، وغرضت بمكاني، جَاءَت إِلَيّ فِي الصَّباح تَسْأَلنِي الْحَاجة، فأعلمتها أَنِّي قد غرضت بموضعي، وأحببت الشخوص إِلَى أَهلِي.
فَقَالَت لي: يَأْتِيك مَا تحْتَاج إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَالَ: فَلَمَّا أمسيت، وَضرب اللَّيْل برواقه، رقت إِلَيّ، وَقَالَت: إِن شِئْت فَنزلت، وَقد أعدت راحلتين، عَلَيْهِمَا جَمِيع مَا أحتاج إِلَيْهِ، ومعهما عبد، وأعطت العَبْد نَفَقَة الطَّرِيق، وَقَالَت: العَبْد والراحلتان لَك.
فركبت، وَركب معي العَبْد، حَتَّى أتيت مَكَّة، فدققت بَاب منزلي، فَقَالُوا: من أَنْت يَا هَذَا؟ فَقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا، وَبكوا، وَقَالُوا: لم يرْتَفع طَلَبك إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْت.
فتوقفت عِنْدهم حَتَّى أسحرت، ونهضت، فَقدمت الْمَدِينَة، وَمَعِي العَبْد، فَجئْت إِلَى عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب ﵃، وَهُوَ يعشي
أَصْحَابه، فَجَلَست مَعَهم، وَجعلت أتعاجم، وَأَقُول: بناريناواي طيار.
فَلَمَّا خرج أَصْحَابه، كشفت لَهُ عَن وَجْهي، فَقَالَ: ابْن قيس؟ فَقلت: عائذًا بك.
فَقَالَ: وَيحك، مَا أجدهم فِي طَلَبك، وأحرصهم على الظفر بك، وَلَكِنِّي أكتب إِلَى أم الْبَنِينَ بنت عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان، وَهِي زَوْجَة الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَعبد الْملك أرق شَيْء عَلَيْهَا.
فَكتب إِلَيْهَا يسْأَلهَا التشفع إِلَى عَمها عبد الْملك.
فَلَمَّا وَصلهَا الْكتاب، دخلت على عَمها، فَسَأَلَهَا: هَل من حَاجَة؟ قَالَت: نعم، لي حَاجَة.
فَقَالَ: قد قضيت كل حَاجَة لَك، إِلَّا ابْن قيس الرقيات.
فَقَالَت: لَا تستثنين عَليّ.
فَنفخ بِيَدِهِ، فَأصَاب حر وَجههَا، فَوضعت يَدهَا على خدها.
فَقَالَ لَهَا: ارفعي يدك، فقد قضيت كل حَاجَة لَك وَإِن كَانَت ابْن قيس الرقيات.
فَقَالَت: حَاجَتي أَن تؤمنه، فقد كتب إِلَيّ يسألني أَن أَسأَلك ذَلِك.
قَالَ: هُوَ آمن، فمريه يحضر الْمجْلس العشية.
فَحَضَرَ، وَحضر النَّاس، حِين بَلغهُمْ، مجْلِس عبد الْملك.
قَالَ: فَأخر الْإِذْن لِابْنِ قيس، وَأذن للنَّاس، فَدَخَلُوا، وَأخذُوا مجَالِسهمْ، ثمَّ أذن لَهُ.
فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ، قَالَ عبد الْملك: يَا أهل الشَّام أتعرفون من هَذَا؟ قَالُوا: لَا.
قَالَ: هَذَا ابْن قيس الرقيات، الَّذِي يَقُول:
كَيفَ نومي على الْفراش ولمّاتَشْمَل الشَّام غارةٌ شعواء
تذهل الشَّيْخ عَن بنيه وتبديعَن خدام العقيلة الْعَذْرَاء
فَقَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، اسقنا دم هَذَا الْمُنَافِق.
قَالَ: الْآن، وَقد أمنته، وَصَارَ فِي منزلي وعَلى بساطي؟ قد أخرت الْإِذْن لَهُ لتقتلوه، فَلم تَفعلُوا.
فاستأذنه ابْن قيس، أَن ينشده مديحه، فَأذن لَهُ، فأنشده قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
عَاد لَهُ من كَثِيرَة الطَّربفعينه بالدموع تنسكب
كوفيّة نازح محلّتهالَا أُمَم دارها وَلَا صَعب
والله مَا إِن صبَّتْ إليّ وَلَايعرف بيني وَبَينهَا نسب
إِلَّا الَّذِي أورثت كَثِيرَة فِي الْقلبوللحبّ ﴿ [ٌ عجب
حَتَّى قَالَ فِيهَا:
إنّ الأغرّ الَّذِي أَبوهُ أَبُوالْعَاصِ عَلَيْهِ الْوَقار والحجب
يعتدل التَّاج فَوق مفرقهعلى جبين كأنّه الذَّهَب
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: يَابْنَ قيس، تمدحني بالتاج، كَأَنِّي من الْعَجم، وَتقول فِي مُصعب ابْن الزبير:
إنّما مصعبٌ شهابٌ من اللهتجلّت عَن وَجهه الظلماء
ملكه ملك رأفةٍ لَيْسَ فِيهِجبروت مِنْهُ وَلَا كبرياء
أما الْأمان فقد سبق لَك، وَلَكِن، وَالله، لَا تَأْخُذ مَعَ الْمُسلمين عَطاء أبدا.
وَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْمَعْرُوف بالأصبهاني، عَن حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه: أَن عبيد الله بن قيس الرقيات، مَنعه عبد الْملك بن مَرْوَان عطاءه من بَيت المَال، وَطَلَبه ليَقْتُلهُ، فَاسْتَجَارَ بِعَبْد الله بن جَعْفَر، وقصده، فالتقاه نَائِما.
وَكَانَ ابْن قيس صديقا لسائب خاثر، فَطلب الْإِذْن على ابْن جَعْفَر، فَتعذر، فجَاء بسائب خاثر ليستأذن لَهُ.
قَالَ سائب خاثر: فَجئْت من قبل رجْلي عبد الله بن جَعْفَر، ونبحت نباح الجرو الصَّغِير، فانتبه وَلم يفتح عَيْنَيْهِ، ورفسني بِرجلِهِ.
قَالَ: فَدرت إِلَى عِنْد رَأسه، ونبحت نباح الْكَلْب الْهَرم، فانتبه وَفتح عَيْنَيْهِ.
فَقَالَ: مَالك، وَيلك؟ فَقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات بِالْبَابِ.
فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذنت لَهُ، وَدخل، فَرَحَّبَ بِهِ عبد الله وقربه، فَعرفهُ ابْن قيس خَبره.
فَدَعَا بظبية فِيهَا دَنَانِير، وَقَالَ لي: عد لَهُ مَا فِيهَا.
فَجعلت أعد لَهُ، وأطرب، وَأحسن صوتي بجهدي، حَتَّى عددت لَهُ ثَلَاث مائَة دِينَار، وَسكت.
فَقَالَ عبد الله: لماذا سكت، وَيلك؟ مَا هَذَا وَقت قطع الصَّوْت الْحسن.
فَجعلت أعد مَا فِي الظبية، وفيهَا ثَمَان مائَة دِينَار، فَدَفعهَا إِلَيْهِ.
فَلَمَّا قبضهَا الْتفت إِلَى ابْن جَعْفَر، وَقَالَ لَهُ: تسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمْرِي؟ قَالَ: نعم، إِذا دخلت عَلَيْهِ، ثمَّ إِنَّه دَعَا لَهُ بِطَعَام، فَأكل أكلا فَاحِشا، وَركب ابْن جَعْفَر، فَدخل مَعَه إِلَى عبد الْملك، فَلَمَّا قدم الطَّعَام جعل يسيء الْأكل.
فَقَالَ عبد الْملك، لِابْنِ جَعْفَر: من هَذَا؟ قَالَ هَذَا رجل لَا يجوز أَن يكون كَاذِبًا إِن اُسْتُبْقِيَ، وَإِن قتل كَانَ أكذب النَّاس.
قَالَ: كَيفَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يَقُول:
مَا نقموا من بني أميّة إِلَّاأنّهم يحلمون إِن غضبوا
فَإِن قتلته بِغَضَبِك عَلَيْهِ أكذبكم فِيمَا مدحكم بِهِ.
قَالَ: فَهُوَ آمن، وَلَكِن لَا أعْطِيه عَطاء من بَيت المَال.
قَالَ: أحب أَن تهب لي عطاءه، كَمَا وهبت لي دَمه.
قَالَ: قد فعلت، وَأمر لَهُ بذلك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع