تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

جميل وبثينة

ذكر الْهَيْثَم بن عدي، أَن جمَاعَة من بني عذرة حدثوه: أَن جميل بثينة حضر ذَات لَيْلَة عِنْد خباء بثينة، حَتَّى إِذا صَادف مِنْهَا خلْوَة تنكر، ودنا مِنْهَا، وَكَانَت اللَّيْلَة ظلماء، ذَات غيم ورعد وريح.

فَحذف بحصاة، فأصابت بعض أترابها، فَفَزِعت، وَقَالَت: مَا حذفني فِي هَذِه اللَّيْلَة إِلَّا الْجِنّ.

ففطنت بثينة أَن جميلًا فعل ذَلِك، فَقَالَت لتربها: أَلا فانصرفي يَا أخية إِلَى مَنْزِلك حَتَّى تنامي، فَانْصَرَفت، وَبقيت مَعَ بثينة أم الْحُسَيْن، ويروى أم الجسير، بنت مَنْظُور، وَكَانَت لَا تكتمها.

فَقَامَتْ إِلَى جميل، فأدخلته الخباء مَعهَا، وتحدثوا جَمِيعًا، ثمَّ اضطجعوا، وَذهب بِهِ النّوم حَتَّى أَصْبحُوا.

وجاءهم غُلَام زَوجهَا بصبوح من اللَّبن، بعث بِهِ إِلَيْهَا، فرآها نَائِمَة، وَنظر جميلًا، فَمضى لوجهه، حَتَّى خبر سَيّده.

وَكَانَت ليلى رَأَتْ الْغُلَام والصبوح مَعَه، وَقد عرفت خبر جميل وبثينة، فاستوقفته كَأَنَّهَا تسأله عَن حَاله، وطاولته الحَدِيث، وَبعثت بِجَارِيَة لَهَا، وَقَالَت: حذري جميلًا وبثينة.

فَجَاءَت الْجَارِيَة ونبهتها، فَلَمَّا تبينت بثينة أَن الصُّبْح قد أَضَاء، وَالنَّاس قد انتشروا، ارتاعت لذَلِك.

وَقَالَت: يَا جميل نَفسك، فقد جَاءَ غُلَام بعلي بصبوح من اللَّبن، فرآنا نائمين.

فَقَالَ جميل، وَهُوَ غير مكترث:

لعمرك مَا خوّفتني من مَخَافَةعليّ وَلَا حذّرتني مَوضِع الحذر
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لعمرك ما خوفتني من مخافة»
وَأقسم مَا تلفى لي الْيَوْم غرّةوَفِي الكفّ منّي صارم قَاطع ذكر

فأقسمت عَلَيْهِ أَن يلقِي نَفسه تَحت النضد، وَقَالَت: إِنَّمَا أَسأَلك خوفًا على نَفسِي من الفضيحة، لَا خوفًا عَلَيْك، فَفعل ذَلِك، ونامت، وأضجعت أم الْحُسَيْن إِلَى جَانبهَا، وَذَهَبت خَادِم ليلى إِلَيْهَا، فَأَخْبَرتهَا الْخَبَر، فَتركت العَبْد يمْضِي إِلَى سَيّده، فَمضى والصبوح مَعَه، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَأَيْت بثينة مُضْطَجِعَة، وَجَمِيل إِلَى جنبها.

فجَاء زَوجهَا إِلَى أَخِيهَا وأبيها، فعرفهما الْخَبَر، وَجَاءُوا بأجمعهم إِلَى بثينة، وَهِي نَائِمَة، فكشفوا عَنْهَا الثَّوْب، فَرَأَوْا أم الْحُسَيْن إِلَى جَانبهَا نَائِمَة.

فَخَجِلَ زَوجهَا، وَسَب عَبده، وَقَالَت ليلى لأَبِيهَا وأخيها: قبحكما الله،

فِي كل يَوْم تفضحان الْمَرْأَة فِي فنائكما، ويلكما، هَذَا لَا يجوز.

فَقَالَا: إِنَّمَا فعل هَذَا زَوجهَا.

فَقَالَت: قبحه الله وإياكما، فَجعلَا يسبان زَوجهَا، وَانْصَرفُوا.

وَأقَام جميل تَحت النضد إِلَى اللَّيْل، ثمَّ ودعها وَانْصَرف.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّالِث عشر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.