من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
ومما جاء في الملابس وألوانها والعمائم ونحوها
قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
. وقال تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
وقال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». وقال ﷺ: «تعمموا تزدادوا جمالا».
وقال ﷺ: «العمائم تيجان العرب». وكان الزبير بن العوام يقاتل يوم بدر وعليه عمامة صفراء، فنزلت الملائكة، وعليهم عمائم صفر قد أرخوها. وبعث رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فتخلف عن الجيش، وأتى إلى رسول الله ﷺ وعليه عمامة سوداء من خز، فنقضها رسول الله ﷺ وعممه بيده وأسدلها بين كتفيه قدر شبر، وقال: هكذا اعتم يا ابن عوف. وبعث ملك الروم إلى النبي ﷺ جبة ديباج، فلبسها ثم كساها عثمان.
وكان سعيد بن المسيب يلبس الحلة بألف درهم ويدخل المسجد، فقيل له في ذلك، فقال: إني أجالس ربي. وقيل: المروءة الظاهرة الثياب الطاهرة. وقيل:
البس البياض والسواد، فإن الدهر هكذا بياض نهار وسواد ليل:
ومما قيل في لبس السواد قول أبي قيس:
رأيتك في السواد فقلت بدرابدا في ظلمة الليل البهيم
وألقيت السواد فقلت شمسمحت بشعاعها ضوء النجوم
وقدم تاجر إلى المدينة يحمل من خمر العراق، فباع الجميع إلا السود، فشكا إلى الدارمي ذلك، وكان الدارمي قد نسك وتعبد، فعمل بيتين، وأمر من يغني بهما في المدينة، وهما هذان البيتان:
قل للمليحة في الخمار الأسودماذا فعلت بزاهد متعبّد
قد كان شمّر للصلاة إزارهحتى قعدت له بباب المسجد
قال: فشاع الخبر في المدينة أن الدارمي رجع عن زهده وتعشق صاحبة الخمار الأسود، فلم يبق في المدينة مليحة إلا اشترت لها خمارا أسود، فلما أنفذ التاجر ما كان معه رجع الدارمي إلى تعبده وعمد إلى ثياب نسكه فلبسها.
وقال آخر في لابسة الأحمر:
وشمس من قضيب في كثيبتبدّت في لباس جلناري
سقتني ريقها صرفا وحيّتبوجنتها فهاجت جلّ ناري
وقال آخر في لابسة ثوب خمري:
في ثوبها الخمري قد أقبلتبوجنة حمراء كالجمر
فملت سكرا حين أبصرتهالا تنكروا سكري من الخمر
وقال الصنوبري في لابسة أخضر:
وجارية أدّبتّها الشطارهترى الشمس من حسنها مستعاره
بدت في قميص لها أخضركما ستر الورق الجلناره
فقلت لها ما اسم هذا اللباسفأبدت جوابا لطيف العباره
شققنا مرائر قوم بهفنحن نسمّيه شقّ المراره
وقال حكيم لابنه: إياك أن تلبس ما يديم الملك نظره إليك به، واعلم أن الوشي لا يلبسه إلا الأحمق أو ملك.
وعليك بالبياض.
وقيل: لباس البخلاء الاستبرق لطول بقائه، ولباس المترفين السندس لقلة بقائه، ولباس المقتصدين الديباج لتوسط بقائه.
وقال بعض الأمراء لحاجبه: أدخل عليّ عاقلا، فأتاه برجل، فقال: بم عرفت عقله؟ فقال: رأيته يلبس الكتان في الصيف والقطن في الشتاء. والملبوس في الحر، والجديد في البرد.
وقيل: كان لأبرويز عمامة طولها خمسون ذراعا إذا اتسخت ألقاها في النار فيحترق الوسخ ولا تحترق، وكان له رداء حسن يتلون كل ساعة وسراويل مجوهرة، وتكة من أنابيب الزمرد. وقيل: الأقبية لباس الفرس، والقراطق لباس الهند، والأزر لباس العرب. وسئل بعض العرب عن الثياب، فقال: الصفر أشكل، والحمر أجمل، والخضر أقبل، والسود أهول، والبيض أفضل.
وقال أفلاطون: الصبغ الشقائقي، والروائح الزعفرانية تسكن الغضب، والصبغ الياقوتي والروائح الوردية تحرك السرور، وإذا قرب اللون الأحمر إلى اللون الأصفر تحركت القوة العشقية، وإذا مزجت الحمرة بالصفرة تحركت القوة الغريزية، وإذا مزجت التفاحية بالحمرة تحركت الطبائع كلها.
وكان مصعب بن الزبير يقول: لكل شيء راحة، وراحة البيت كنسه، وراحة الثوب طيه. وقال بعض الأعراب:
رأيت في البصرة برودا كأنها نسجت بأنواع الربيع. ودخل بعض العذريين على معاوية وعليه عباءة، فازدراه، فقال يا أمير المؤمنين: إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع