من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن هرمة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
إبراهيم بن علي بن سلمة الفهري المدني الشاعر المعروف بابن هرمة، من شعراء الدولتين؛ كان شيخ الشعراء في زمانه، وكان منقطعاً إلى الطالبيين، وكان منهوماً في الشراب لا يكاد يصبر عنه، فقال للمنصور: يا أمير المؤمنين، إني مغرم بالشراب، وكلما أمسكني والي المدينة حدَّني، وقد طال هذا، فاكتب لي إليه، فقال: ويحك! كيف أكتب في حدّ من حدود الله تعالى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، احتلْ لي في ذلك؛ فكتب إلى عامله بالمدينة: " أما بعد، فمن أتاك بابن هرمة سكراناً، فحد ابن هرمة ثمانين واجلد الذي يأتيك به مائة "؛ فكان يمر به العسسُ وهو سكران ملقى على قارعة الطريق فيقولون: من يشتري ثمانين بمائة؟
ومرّ يوماً على جيرانه وهو ميت سكراً حتى دخل منزله، فلما كان من الغد عاتبوه في الحالة التي أوه فيها: أنا في طلب مثلها منذ دهر، أما سمعتم قولي:
أسأل الله سكرة قبل موتيوصياح الصبيان يا سكرانُ
فنهضوا من عنده، ونفضوا ثيابهم وقالوا: ما يفلح هذا أبداً.
ويقال إنه ولد سنة سبعين، ونادم المنصور سنة أربعين ومائة، وعمّر بعد ذلك دهراً؛ وهو القائل:
ما أظنّ الزمان يا أمَّ عمروٍتاركاً إن هلكتُ من يبكيني
وكان كذلك، لقد مات وما يحمل جنازته إلا أربعة نفر لا يتبعهم أحد، حتى دُفن بالبقيع. وكانت وفاته سنة خمسين ومائة. وكان الأصمعي يقول: ختم الشعر بابن ميادة وابن هرمة، رحمه الله تعالى.
إبراهيم بن علي بن خليل الحراني، شيخ حائك، كان عامياً أمياً أناف على الثمانين، وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وسبعمائة؛ قصده قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله تعالى واستنشده من شعره فقال: أما القديم فما يليق، وأما نظم الوقت الحاضر فنعم، وأنشده:
وما كلَّ وقتٍ فيه يسمح خاطريبنظم قريض لائق اللفظ والمعنى
وهل يقتضي الشرع الشريف تيمماًبتربٍ وهذا البحر يا صاحبي معنا
وله أيضاً:
وقائلٍ قال إبراهيم عينُ بصلأضحى يبيعُ قَباً في الناس بعد قبا
فقلت: مَهْ يا عذولي لا تعنفنيلو جعتَ قدتَ ولو أفلست بعت قبا
وله أيضاً في الشبكة والسمك:
كم كسبنا بيتاً لكي نمسكَ السكانَ منه في سائرِ الأوقاتِ... فمسكنا السكانَ وانهزم البيتُ لدينا خوفاً من الطاقاتِ... وله أيضاً:
جسمي بسُقم جفونه قد أسقماريمٌ بسهمِ لحاظه قلبي رمى
كالرمح معتدل القوام مهفهفٌمرّ الجفا لكنه حلو اللّمى
رشأ أحلّ دمي الحرام وقد رأىفي شرعه وصلي الحلال محرّما
ربّ الجمال بوصله وبهجرهلقّى وأصلى جنّةً وجهنّما
عن ورد وجنته بآس عذارهوبسيف نرجس طرفه الساجي حمى
عاتبته فقسا وفيت فخاننيقربته فنأى بكيت تبسّما
حكّمته في مهجتي وحشاشتيفجنى وجار عليّ حين تحكّما
يا ذا الذي فاق الغصون بقدّهوسما بطلعته على قمر السّما
رفقاً بمن لولا جمالك لم يكنحلف الصبابة والغرام متيّما
أنسيت أيّاماً مضت وليالياسلفت وعيشاً بالصّريم تصرّما
إذ نحن لم نخش الرقيب ولم نخفصرف الزمان ولا نطيع اللوما
والعيش غضٌّ والحواسد نوّمٌعنا وعين البين قد كحلت عمى
في روضةٍ أبدت ثغور زهورهالمّا بكى فيها الغمام تبسّما
مدّ الربيع على الخمائل نورهفيها فأصبح كالخيام مخيّما
تبدو الأقاحي مثل ثغر مهفهفٍأضحى المحبّ به كئيباً مغرما
وعيون نرجسها كأعين غادةترنو فترمي باللواحظ أسهما
والطير يصدح في فروع غصونهاصدحاً فيوقظ بالهديل النوما
والراح في راح الحبيب يديرهافي فتيةٍ نظروا المسرة مغنما
فسقاتنا تحكي البدور وراحناتحكي الشموس ونحن نحكي الأنجما
وله أيضاً رحمه الله تعالى.
ربوع جلّق للأوطار أوطانوليس فيها من النّدمان ندمان
كم لي مع الحبّ في أقطارها أرباًإذ نحن في ساحتي جيرون جيران
أيام تجرير أذيالي بها طرباًولي مكان له في السعد إمكان
إذ بت أنشد في غزلانها غزلاًلما غزت كبدي باللحظ غزلان
سقياً لجامعها كم قد جمعن لنافيه من الغيد أقمارٌ وأغصان
وكم حوى الحسن في باب البريد لنافهل ترى عند ذاك الحسن إحسان
أغنت عن السمر فيه السمر إذ خطرتوسود أجفانها للبيض أجفان
أهلّةٌ تحت ليل الشعر تحملهالفتنة الصبّ قضبان وكثبان
جمالها وأخو الأشواق حين بدتإليه في الحبّ مفتونٌ وفتان
وبعدها ليس يحلو في الهوى أبداًيوماً لإنسانه في الخلق إنسان
نواحه في نواحي جلّق ولهبالحسن لا بالنقا والحزن أحزان
فجلق جنةٌ تبدو جواسقهامثل القصور بها حورٌ وولدان
والسبت كالعيد تلقى الغيد سانحةًوقد حوى الغيد ميدانٌ وبستان
أنزه الطرف في الميدان من فرحوالقلب مني لطفل اللهو ميدان
قم يا نديمي إلى شرب المدام بهامن قبل يدرك بدر السّعد نقصان
فأنت في جنّة منها مزخرفةٍوقد تلقّاك بالرضوان رضوان
وأنت فيها عن اللذات في كسلٍانهض فما بلغ اللذات كسلان
أما ترى الأرض إذ أبكي السحاب بهاآذارها ضحكت إذ جاء نيسان
والزهر كالزهر حياه الحيا فبدتفي الروض منه إلى الأبصار ألوان
زمرد قضبٌ فيها مركبةجواهرٌ ويواقيت ومرجان
كأنما الورد خدّ الحبّ حين غداله العذار سياجاً وهو ريحان
كأن منثورها إذ لاح مبتسماًجيش من الروم بانت فيه صلبان
كأنما البان أهدى المسك حين بدافعطر الكون لما أورق البان
كأن ريح الصبا طافت بخمر هوىًمن الرياض فكل الكون نشوان
كأنما حمرة التفاح خدّ رشاًلي في هواه عن السلوان سلوان
كأن نارنجها نارٌ وباطنهثلجٌ وفيه لجين وهو عقيان
والطير تطرب بالعيدان نغمتهاما ليس يطرب بالأوتار عيدان
أبدت فنوناً فأفنت صبر سامعهابالنوح إذ حملتها فيه أفنان
بلابلٌ هيّجت منّا بلابلناوهاج منّا صباباتٌ وأشجان
وهزنا الشوق إذ غنّى الهزار بهافلا تجفّ لنا بالدمع أجفان
وربّ صافية في الكأس مشرقةٍكانت وما كان في العلياء كيوان
راحٌ أراحت لمن حلّت براحتهروحاً لها القار والفخار جثمان
صبّت لنا فهي ماء في زجاجتهاوأشرقت فهي في الكاسات نيران
يسعى بها رشأ بالسحر مكتحلٌحلو الدلال لجند الحسن سلطان
عذب اللمى ناعس الأجفان منتبهمهفهف القدّ صاحٍ وهو نشوان
كأنما وجهه فيه لعاشقهبستان والخال في البستان جنّان
كأنما خاله لما بدا كرةٌوالصدغ جوكانها والخد ميدان
وشعره مقبول، غير أنه لا يخلو من اللحن، رحمه الله تعالى وإيانا.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع