من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن سهل الإسلامي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
إبراهيم بن سهل الإسرائيلي؛ قال ابن الأبار في تحفة القادم: كان من الأدباء الأذكياء الشعراء، مات غريقاً مع ابن خلاص والي سبتة سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان سنه نحو الأربعين أو ما فوقها، وكان قد أسلم وقرأ القرآن، وكتب لابن خلاص بسبتة فكان من أمره ما كان.
قال أثير الدين أبو حيان: هو إبراهيم بن سهل الإشبيلي الإسلامي، أديب ماهر، دون شعره في مجلد، وكان يهودياً فأسلم، وله قصيدة مدح بها رسول الله ﷺ قبل أن يسلم، وأكثر شعره في صبي يهودي كان يهواه، وكان يقرأ مع المسلمين ويخالطهم.
قلت: والقصيدة النبوية على حرف العين، ذكرها ابن الأبار في ترجمة المذكور.
وكان يهوى يهودياً اسمه موسى فتركه، وهو شاباً اسمه محمد، فقيل له في ذلك فقال:
تركت هوى موسى لحبّ محمّدولولا هدى الرحمن ما كنت أهتدي
وما عن قلىً منّي تركت وإنماشريعة موسى عطّلت بمحمّدٍ
قال الشيخ أثير الدين: أخبرنا قاضي الجماعة قال: نظم الهيثم قصيدة يمدح بها المتوكل على الله محمد بن يوسف بن هود ملك الأندلس، وكانت أعلامه سوداء لأنه كان بايع الخليفة ببغداد، فوقف إبراهيم بن سهل على قصيدة الهيثم وهو ينشدها لبعض أصحابه، وكان إبراهيم إذ ذاك صغيراً، فقال إبراهيم للهيثم: زد بين البيت الفلاني والبيت الفلاني:
أعلامه السود إعلاماً بسؤددهكأنهنّ بخدّ الملك خيلانُ
فقال له الهيثم: هذا البيت ترويه أم نظمته؟ قال: بل نظمته الساعة، فقال الهيثم: إن عاش هذا ليكونن أشعر أهل الأندلس.
والقصيدة التي مدح بها النبي ﷺ:
وركبٍ دعتهم نحو طيبة نيةفما وجدت إلاّ مطيعاً وسامعا
يسابق وخد العيس ماء شؤونهمفيقفون بالسوق المدى والمدامعا
إذا انعطفوا أو رجّعوا الذكر خلتهمغصوناً لداناً أو حماماً سواجعا
تضيء من التقوى حنايا صدورهموقد لبسوا اللّيل البهيم مدارعا
تكاد مناجاة النبيّ محمّدٍتنمّ بهم مسكاّ على الشم ذائعا
تلاقى على ورد اليقين قلوبهمخوافق يذكرن القطا والمشارعا
قلوبٌ عرفن الحقّ فهي قد انطوتعليها جنوبٌ ما عرفن المضاجعا
سقوا دمعهم غرس الأسى في ثرى الجوىفأنبت أزهار الشحوب الفواقعا
تساقوا لبان الصدق محضاً بعزمهموحرّم تفريطي عليّ المراضعا
وهي طويلة؛ ومن شعره:
سل في الظلام أخاك البدر عن سهريتدري النجوم كما تدري الورى خبري
أبيت أسجع بالشكوى وأشرب مندمعي وأنشق ريّا ذكرك العطر
حتى أخيّل أني شاربٌ ثملٌبين الرياض وبين الكأس والوتر
بعض المحاسن يهوى بعضها عجباًتأملوا كيف هام الغنج بالخفر
إن تقصني فنفارٌ جاء من رشإٍأو تضنني فمحاقٌ جاء من قمر وله أيضاً:
ردّوا على طرفي النوم الذي سلباوخبروني بقلبي أيّةً ذهبا
علمت لما رضيت الحبّ منزلةأن المنام على عينيّ قد غضبا
فقلت واحربا والصمت أجدر بيقد يغضب الحبّ إن ناديت واحربا
إني له عن دمي المسفوك معتذرٌقول حملته في سفكه تعبا
نفسي تلذّ الأسى فيه وتألفههل تعملون لنفسي في الجوى نسبا
قالوا عهدناك من أهل الرشاد فماأغواك؟ قلت اطلبوا في لحظه السببا
من صاغه الله من ماء الحياة وقدجرت بقيّته في ثغره شنبا
يا غائباً مقلتي تهمي لفرقتهوالقطر إن حجبت شمس الضحى انسكبا
كم ليلةٍ بتّها والنجم يشهد ليرهين شوقٍ إذا غالبته غلبا
مردداً في الدجى لهفاً ولو نطقتنجومها ردّدت من حالتي عجبا
ماذا ترى في محبّ ما ذكرت لهإلاّ بكى أو شكا أو حنّ أو طربا
يرى خيالك في الماء الزلال وماذاق الشراب فيروى وهو ما شربا
وله أيضاً:
ولما عزمنا ولم يبق منمصانعة الشوق غير اليسير
بكيت على النهر أخفي الدموعفعرّضها لونها للظّهور
ولو عرف السّفر حالي إذنلما صحبوني عند المسير
إذا ما سرى نفسي في الشراعأعادهم نحو حمصٍ زفيري
وقفت سحيراً وغالبت شوقيونادى الأسى حسنه من مجيري
أنار وقد لفحت زفرتيفصار الغدوّ كوقت الهجير
ومنّ الفراق بتوديعهفشبهت ناعي النوى بالبشير
وقبّلت وجنته في الدّموعكما التقطت وردةٌ من غدير
وقبلت في الترب منه خطاًأميّزها بشميم العبير
تغرّب نومي عن مقلتيوأما حديث المنى في ضميري
أموسى تهنّ نعيم الكرىفليلي بعدك ليل الضرير وله أيضاً:
كأن الخال في وجنات موسىسواد العتب في نور الوداد
أخطّ لصدغه في الحسن واوفنقطة خاله بعض المداد
لواحظه محيّرة ولكنبها اهتدت الشجون إلى فؤادي
وله مخمس:
غريب الحسن عنّ لنا فعنّىووسنانٌ طريق الهجر سنّا
ثنى أعطافه فاستعطفتنا... أغنّ عن الرشا والبدر أغنى فهمنا سرّ مقلته فهمنا...
شكوت له من الحرق التهابافأسداها مراشفه العذابا
فكانت رحمة لقيت عذابا... ومال وقد تطارحنا العتابا كأني طائرٌ ناجيت غصنا...
أمولىً حاز حتى الحسن عبداحكيت الورد لي عهداً وخدّا
ونجم الأفق إشراقاً وبعدا... وسوّى الله بدر التمّ فردا فإذ سوّاك قال الناس: ثنّى...
أخاف على مكانك من فؤاديفلا تضرمه ناراً بالبعاد
ودع حظاً لطيفك من رقادي... تنازعني الكواكب في سهاد وتعجز عن دموع سح معنا...
أحوريّ الطّهارة والجمالهجرت الخلد هجراً عن دلال
أول تركت الحور بعدك في ضلال... فمن للناس عندك بالوصال وقد فارقت رضواناً وعدنا...
وسيم الحسن قيّض لي لأشقىفليت ابن البقاء عليّ أبقى
أيوسف إنني يعقوب حقّا... كملت ملاحةً وكملت عشقا فمن ذا مثلنا حسناً وحزنا... وله أيضاً موشح:
يا لحظاتٍ للفتنفي كرها أوفى نصيب
ترمي وكلّي مقتلوكلها سهمٌ مصيب
اللوم للأحي مباحأما قبوله فلا
علّقته وجه صباحريق طلاً عنق طلا
كالظبي ثغره أقاحوما ارتعى شيح الفلا
يا ظبي خذ قلبي وطنفأنت في الإنس غريب
وارتع فدمعي سلسلومهجتي مرعىً خصيب
بين اللّمى والحورمنه الحياة والأجل
سقت مياه الخفرفي خده ورد الخجل
زرعته بالنّظروأجتنيه بالأمل
في طرفه الساجي وسنسهّد أجفان الكئيب
والردف فيه ثقلخفّ له عقل اللبيب
أهدى إلى حرّ العتاببرد اللّمى وقد وقد
فلو لثمته لذابمن زفرتي ذاك البردْ
ثم لوى جيد كعابما حليه إلاّ الغيد
في نزعة الظبي الأغنوهزة الغصن الرطيب
يجري لدمعي جدولفينثني منه قضيب
أأنت حورا أرسلكرضوان صدقاً للخبر
قطّعت القلوب لكوقيل ما هذا بشر
أمّ الصفا مضنىً هلكمن النوى أم الكدر
حتى تزكيه المحنأمر الهوى أمر غريب
كأنّ عشقي مندلزاد بنار الهجر طيب
أغربت في الحسن البديعفصار دمعي مغربا
شمل الهوى عندي جميعوأدمعي أيدي سبا
فإستمع عبداً مطيعغنى لبعض الرقبا
هذا الرقيب ما أسواه يظنايش لو كان لانسان مريب
مولاي قم تا نعملوذاك الذي ظن الرقيب
وله أيضاً موشح:
روض نضير وشادن وطلا... فاجتن زهر الربيع والقبلا واشرب يا ساقياً ما وقيت فتنته... حكت رحيق الكؤس صورته... فمثّلت ثغره ووجنته...
هذا حباب كالسلك معتدلا... وذا رحيق لدى الزجاج علا كوكب أقمت حرب الهوى على ساق... وبعت عقلي بالخمر من ساقي... أسهر جفني بنوم أحداق...
تمثّل السحر وسطها كحلا... معتلةٌ وهي تبرىء العللا فاعجب قلبك صخر والجسم من ذهب... أيا سميّ النبيّ يا ذهبي... جاورت من مهجتي أبا لهب...
يا باخلاً لا أذمّ ما فعلا... صيرت عندي محبة البخلا مذهب يا منيتي المنى من الخدع... ما نلت سؤلي ولا الفؤاد معي... هل عنك صبر أو فيك من طمع...
أفنيت فيك الدموع والحيلافلا سلوّاً في الحب نلت ولا مأرب
أتيت أشكوه لوعتي عجبا... فصدّ عنّي بوجهه غضبا... فعند هذا ناديت واحربا...
تصدّ عني يا منيتي مللاوأشتكي من صدودك العللا تغضب
وله من قصيدة في محبوبه موسى:
وإني لثوب الحزن أجدر لابسٍوموسى لثوب الحسن أحسن مرتد
تأمّل لظى شوقي وموسى يشبّهاتجد خير نار عندها خير موقد
إذا ما رنا شزراً فقل لحظ أحورٍوإن يلو إعراضاً فصفحة أغيد
وعذّب بالي أنعم الله بالهوسهّدني لا ذاق طعم التسهد
شكوت فجاءوا بالطبيب، وإنّماطبيب سقامي في لواحظ مبعدي
فقال على التأنيس طبّك حاضرٌفقلت نعم لو أنه بعض عوّدي
بكيت فقال الحبّ هزواً أتشتريبماء جفونٍ ماء ثغر منضد
فأنشدته شعراً به أستميلهفأبدى ازدراء بابن حجرٍ ومعبد
كأنّي بصرف البين حان فجاد ليبأحلى سلامٍ منه أفظع مشهد
تغنمت منه السير خلفي مشيّعاًفأقبلت أمشي مثل مشي المقيد
وجاء لتوديعي فقلت له اتئدمشت لك روحي في الزفير المصعد
جعلت يميني كالنّطاق لخصرهوصاغت جفوني حلي ذاك المقلّد
وجدت بذوب التبر فوق مورّسٍوضنّ بذوب الدرّ فوق مورد
ومسّح أجفاني ببرد بنانهفألّف بين المزن والسوسن الندي
فيا آفة العقل الحصيف وصبوة العفيف وغيّ النّاسك المتعبّد
رعيت لحاظي في جمالك آمناًفأذهلني عن مصدري حسن مورد
أظلّ ويومي فيك هجرٌ ووحشةٌويومي بحمد الله أحسن من غدي
وصالك أشهى من معاودة الصباوأطيب من عيش الزمان الممهد
عليك فطمت العين من لذة الكرىوأخرجت قلبي طيّب النفس من يدي وله أيضاً:
ضمانٌ على عينيك أني عانيصرفت إلى أيدي العناء عناني
وقد كنت أرجو الوصل منك غنيمةفحسبي منك اليوم نيل أماني
ومن لي بجسم أشتكي منه بالضناوقلبٍ فأشكو منه بالخفقان
وما عشت حتى اليوم إلاّ لأنّنيخفيت فما يدري الحمام مكاني
ولو أنّ عمري عمر نوح وبعتهبساعة وصلٍ منك قلت: كفاني
وما ماء ذاك الريق عندي غالياًبماء شبابي واقتبال زماني
خليليّ عندي في السّلوّ بلادةفإن شئتما علم الهوى فسلاني
خذا عدداً من مات من ألم الهوىفإن كان فرداً فاحسباني ثاني وله أيضاً:
يقولون لو قبّلته لاشتفى الجوىأيطمع في التقبيل من يعشق البدرا
ولو غفل الواشي لقبلت نعلهأنزّهه أن أذكر الجيد والثغرا
وما أنا من يستحمل الريح سرّهأغار حفاظاً أن أذيع له سرّا
إذا فئة العذّال جاءت بسحرهاففي وجه موسى آية تبطل السحرا
وله من أبيات:
غضّ الصبا يسفر عن منظرٍأحسن من عصر الصبا المقبل
صوّر من نور ومن فتنةٍوالناس من ماء ومن صلصل
أحلت أشواقي على ذكرهأسلّط النار على المندل
أخشى عليك العار من قولهم:معتدل القمامة لم يعدل وقال أيضاً:
أموسى ولم أهجرك والله إنّماهجرت الكرى والأنس واللب والصبرا
تركتك لا غدراً بعهدك بل أرىحياتي ذنباً بعد بعدك أو غدرا
قنعت على رغمي بذكرك وحدهأدير عليه الخمر والأدمع الحمرا
أقبل من كاس المدير حبابهاإذا مثلت عندي المنى ذلك الثغرا
وله أيضاً:
لاموا فلما لاح موضع صبوتيقالوا لقد جئت الهوى من بابه
شرقت بدمعي وجنتي شوقاً إلىذي وجنة شرقت بماء شبابه
حلو الكلام كأنّما ألفاظهيشربن عند النطق شهد رضابه
بالله يا موسى وقد لذّ الردىاجبر ولا تبق الجريح بما به
هاروت أودع في لحاظك سحرهفأصاب قلبي منك مثل عذابه
وديوانه كله من هذا النوع، رحمه الله تعالى وسامحه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع