تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

الملك المؤيد صاحب حماة

فيه ٤٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

إسماعيل بن علي، الإمام العالم الفاضل السلطان الملك المؤيد عماد الدين أبو الفدا ابن الأفضل ابن الملك المظفر ابن الملك المنصور، صاحب حماة؛ مات في الكهولة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، كان أميراً بدمشق، وخدم الملك الناصر لما كن بالكرك وبالغ في ذلك، فوعده بحماة ووفى له بذلك وأعطاه حماة لما أمر لأسندمر بحلب بعد موت نائبها قبجق، وجعله سلطاناً يفعل فيها ما يشاء من إقطاع وغيره، ليس لأحد من الدولة بمصر من نائب ووزير معه حكم، وأركبه في القاهرة بشعار الملك وأبهة السلطنة، ومشى الأمراء والناس في خدمته، حتى الأمير سيف الدين أرغون النائب، وقام له القاضي كريم الدين بكل ما يحتاج إليه في ذلك المهم من التشاريف والإنعامات على وجوه الدولة وغيره، ولقبوه الملك الصالح، ثم بعد قليل لقبه الملك المؤيد.

وكان كل سنة يتوجه إلى مصر بأنواع من الخيل والرقيق والجواهر وسائر الأصناف الغريبة، هذا إلى ما هو مستمر طول السنة مما يهديه من التحف والطرف، وتقدم السلطان الملك الناصر إلى نوابه بأن يكتبوا إليه يقبل الأرض وكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى يكتب إليه يقبل الأرض بالمقام العالي الشريف المولوي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي وفي العنوان صاحب حماة ويكتب إليه السلطان أخوه محمد بن قلاوون أعز الله أنصار المقام الشريف العالي السلطان الملكي المؤيدي العمادي بلا مولوي.

وكان الملك المؤيد فيه مكارم وفضيلة تامة من فقه وطب وحكمة وغير ذلك، وأجود ما كان يعرفه علم الهيئة لأن أتقنه، وإن كان قد شراك في سائر العلوم مشاركة جيدة. وكان محباً لأهل العلم مقرباً لهم، أوى إليه أمين الدين الأبهري وأقام عنده، ورتب له ما يكفيه، وكان قد رتب لجمال الدين محمد بن نباتة كل سنة ستمائة درهم، وهو مقيم بدمشق، غير ما يتحفه به.

ونظم الحاوي في الفقه، ولو لم يعرفه معرفة جيدة ما نظمه، وله تاريخ مليح، وكتاب الكناش مجلدات كثيرة، وكتاب تقويم البلدان هذبه وجدوله وأجاد فيه ما شاء، وله كتاب الموازين جوده وهو صغير.

ومات وهو في الستين، رحمه الله تعالى؛ وله شعر، ومحاسنه كثيرة.

ولما مات رثاه الشيخ جمال الدين بن نباتة بقصيدة أولها:

ما للنّدى لا يلبي صوت داعيهأظنّ أنّ ابن شادي قام ناعيه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما للندى لا يلبي صوت داعيه»
ما للرجاء قد اشتدّت مذاهبهما للزمان قد اسودّت نواحيه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما للندى لا يلبي صوت داعيه»
نعى المؤيد ناعيه فيما أسفاللغيث كيف غدت عنّا غواديه منها:
كان المديح له عرساً بدولتهفأحسن الله للشّعر العزا فيه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما للندى لا يلبي صوت داعيه»
يا آل أيّوب صبراً إن إرثكممن اسم أيوب صبراً كان منجيه
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «ما للندى لا يلبي صوت داعيه»

هي المنايا على الأقوام دائرة... كلٌّ سيأتيه منها دور ساقيه وتوجه الملك المؤيد بعض السنين إلى مصر ومعه ابنه الملك الأفضل محمد، فمرض ولده، فجهز إليه السلطان الحكيم جمال الدين ابن المغربي رئيس الأطباء، فكان يجيء إليه بكرة وعشياً، فيراه ويبحث معه في مرضه، ويقرر الدواء، ويطبخ الشراب بيده في دست فضة، فقال له ابن المغربي: يا خوند، أنت والله ما تحتاج إلي، وما أجي إلا امتثالاً لأمر السلطان. ولما عوفي أعطاه بغلة بسرج وكنبوش زركش وتعبية قماش وعشرة آلاف درهم والدست الفضة، وقال: يا مولاي، اعذرني فإني لما خرجت من حماة ما حسبت مرض هذا الابن.

ومدحه الشعراء وأجازهم، ولما مات فرق كتبه على أصحابه، وأوقف منها جملة. ومن شعره:

اقرأ على طيب الحياة سلام صبٍّ مات حزنا
واعلم بذاك أحبّةًبخل الزمان بهم وضنّا
لو كان يشرى قربهمبالمال والأرواح جدنا
متجرّعٌ كأس الفراق يبيت للأشجان رهنا
صبٌّ قضى وجداً ولميقضى له ما قد تمنى

وله أيضاً:

كم من دمٍ حلّلت وما ندمتتفعل ما تشتهي فلا عدمت
لو أمكن الشمس عند رؤيتهالثم مواطي أقدامها لثمت وله أيضاً:
سرى مسرى الصّبا فعجبت منهمن الهجران كيف صبا إليّا
وكيف ألّم بي من غير وعدٍوفارقني ولم يعطف عليّا

وله موشح رحمه الله تعالى:

أوقعني العمر في لعلّ وهليا ويح من عمره مضى بلعل
والشيب وافى وعنده نزلاوفرّ منه الشباب وارتحلا
ما أوقح الشّيب الآتيإذ حلّ لا عن مرضاتي
قد أضعفتني الستون لا زمنيوخانني نقص قوّة البدن
لكن هوى القلب ليس ينتقصوفيه مع ذا من جرحه غصص
يهوى جميع اللذاتكما له من عادات
يا عاذلي لا تطل ملامك ليفإنّ سمعي نأى عن العذل
وليس يجدي الملام والفندفيمن صبابات عشقه جدد
دعني أنا في صبواتيأنت البري من زلاّتي
كم سرني الدهر غير مقتصربالكاس والغانيات والوتر
نمرح في طيب عيشنا الرغدطرفي وروحي وسائر الجسد
وكم صفت لي خطراتيوساعدتني أوقاتي
مضى رسولي إلى معذبتيوعاد في بهجة مجدّدة
وقال: قالت تعال في عجللمنزلي قبل أن يجي رجلي
واصعد وجز من طاقاتيولا تخف من جاراتي

قال: ومن الغريب أن السلطان، ﵀، كان يقول: ما أظن أني أستكمل من العمر ستين سنة، فما في أهلي يعني بيت تقي الدين من استكمله، وفي أوائل الستين من عمره قال هذا الموشح، ومات في بقية السنة، رحمه الله تعالى.

وهذه الموشحة جيدة في بابها، منيعة على طلابها، وقد عارض بوزنها موشحة لابن سناء الملك رحمه الله تعالى، أولها:

عسى ويا قلما تفيد عسىأرى لنفسي من الهوى نفسا
مذ بان عني من قد كلفت بهقلبي قد لجّ في تقلّبه
وبي أذى شوق عاتيومدمعي يومٌ شاتي
لا أترك اللهو والهوى أبداوإن أطلت الغرام والفندا
إن شئت فاعذل فلست أستمعأنا الذي في الغرام أتبع
وتحتذى صباباتيوبدعي وعاداتي
بي ملكٌ في الجمال لا بشريظلم إن قيل إنّه قمر
يحسن فيه الولوع والولهوعزّ قلبي في أن أذلّ له
خدّي حذا إن ياتيويرتعي حشاشاتي
لست أذم الزمان معتدياكم قد قطعت الزمان ملتهيا
وظلت في نعمة وفي نعميلتذّ سمعي وناظري وفمي
ولا قذى في كاساتيومرتعي في الجنّات
وغادةٍ دينها مخالفتيولا ترى في الهوى محالفتي
وتستبيني ولست أمنعهافقلت قولاً عساه يخدعها

ما هو كذا يا مولاتي... اجري معي في ماواتي وموشحة السلطان، رحمه الله تعالى، نقصت عن موشحة ابن سناء الملك ما التزمه من القافيتين في الخرجة وهو الذال في كذا والعين في معي وخرجة ابن سناء الملك أحسن من خرجة السلطان، رحمهما الله تعالى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»