من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
السيد الحميري
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة المعروف بالسيد الحميري؛ كان شاعراً محسناً كثير القول، إلا أنه كان رافضي جلد زائغ عن القصد؛ له مدائح جمة في آل البيت ﵈، وكان مقيماً بالبصرة، وكان أبواه يبغضان عليّاً، وسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر، فقال:
لعن الله والديّ جميعاًثمّ أصلاهما عذاب الجحيم
وكان يرى رجعة محمد بن الحنفية في الدنيا، وكان كثير الشاعر يرى هذا الرأي، وكان السيد يعتقد أن ابن الحنفية لم يمت، وأنه في جبل بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل، ويعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويقال إن السيد اجتمع بجعفر الصادق ﵇ فعرفه خطأه وأنه على ضلالة فتاب.
وقال المرزباني في معجم الشعراء: إنه إسماعيل بن محمد بن وداع الحميري، ولذلك يقول:
إنّي امرؤٌ حميريٌّ حين تنسبنيجدّي رعينٌ وأخوالي ذوو يزن
ثمّ الولاء الذي أرجوا النجاة بهيوم القيامة للهادي أبي الحسن
وكان أسمر تام القامة حسن الألفاظ جميل الخطاب، مقدماً عند المنصور والمهدي. ومات أول أيام الرشيد سنة ثلاث وسبعين ومائة، وولد سنة خمس ومائة. وكان أحد الشعراء الثلاثة الذين لم يضبط ما لهم من الشعر، هو وبشار وأبو العتاهية، وإنما أمات ذكره وهجره الناس لسبه الصحابة وبغض أمهات المؤمنين وإفحاشه في قذفهم، فتحاماه الرواة.
قال المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: ما هجا بني أمية أحد كما هجاهم يزيد ابن مفرغ والسيد الحميري.
وقال السيد: أتى بي أبي وأنا صغير إلى محمد بن سيرين فقال لي: يا بني، اقصص رؤياك، فقلت: رأيت كأني في أرض سبخة، وإلى جانبها أرض حسنة، وفيها النبي ﷺ واقفاً، وليس فيها نبت، وفي الأرض السبخة شوك ونخل، فقال لي: يا إسماعيل، أتدري لمن هذا النخل؟ قلت: لا، قال: هذا لامرىء القيس بن حجر، فانقله إلى هذه الأرض الطيبة التي أنا فيها، فجعلت أنقله، إلى أن نقلت جميع النخل وحولت شيئاً من الشوك، فقال ابن سيرين لأبي: أما ابنك هذا فسيقول الشعر في مدح طهرة أبرار، فما مضت إلا مدة حتى قلت الشعر.
قال ابن سلام: فكانوا يرون أن النخل مدحه أمير المؤمنين وذريته، وأن الشوك حوله وما أمر بتحويله هو ما خلط به شعره من سب السلف.
وقال الصولي: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، حدثنا علي بن محمد بن سليمان، قال: كان السيد يزعم أن علياً ﵁ سمى محمد بن الحنفية المهدي، وأنه الذي بشر به النبي ﷺ، وأنه حي في جبال رضوى.
قال الصولي: قال أبو العيناء للسيد: بلغني أنك تقول بالرجعة، قال: هو ما بلغك، قال: فأعطني ديناراً بمائة دينار إلى الرجعة، فقال له السيد: على أن توثق لي بمن يضمن أنك ترجع إنساناً، أخاف أن ترجع قرداً أو كلباً فيذهب مالي.
وكان السيد إذا سئل عن مذهبه أنشد من قصيدته المشهورة:
سميّ نبيّنا لم يبق منهمسواه فعنده حصل الرجاء
فغيّب غيبةً من غير موتولا قتل وسار به القضاء
وبين الوحش ترعى في رياضٍمن الآفات مرتعها خلاء
تحلّ فما بها بشرٌ سواهبعقوته له عسل وماء
إلى وقت، ومدة كل وقتوإن طالت عليه لها انقضاء
فقل للناصب الهاذي ضلالاًيقوم وليس عندهم غناء
فداء لابن خولة كل نذليطيف به، وأنت له فداء
كأنا يا بن خولة عن قريبٍوربّ العرش يفعل ما يشاء
تهز دوين عين الشمس سيفاًكلمع البرق أخلصه الجلاء
تشبه وجهه قمراً منيراًيضيء له إذا طلع السماء
فلا يخفى على أحدٍ فصبرٌوهل بالشمس ضاحيةً خفاء
هنالك تعلم الأحزاب أنّاليوثٌ لا ينهنهنا اللقاء
فندرك بالذحول بني أميٍّوفي ذاك الذحول لهم فناء وحكي أن اثنين تلاحيا في أي الخلق أفضل بعد رسول الله ﷺ،
فقال أحدهما: أبو بكر، وقال الآخر: علي، فتراضيا بالحكم إلى أول من يطلع عليهما، فطلع عليهما السيد الحميري، فقال القائل بفضل علي: قد تنافرت أنا وهذا إليك في أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ، فقلت أنا: علي، فقال السيد: وما قال هذا ابن الزانية؟ فقال ذاك: لم أقل شيئاً.
وقال الصولي: حدثنا محمد بن عبد الله التميمي قال حدثنا أحمد بن إبراهيم عن أبيه قال: قلت للفضل بن الربيع: رأيت السيد الحميري؟ قال: نعم، عهدي به واقفاً بين يدي الرشيد، وقد رفع إليه أن رافضي، وهو يقول: إن كان الرفض حبكم يا بني هاشم وتقديمكم على سائر الخلق فما أعتذر ولا أزول عنه، وإن كان غير ذلك فما أقول به، ثم أنشده:
شجاك الحيّ إذ بانوافدمع العين هتّان
كأنّي يوم ردّوا العيس للرحلة نشوان
وفوق العيس إذ ولّوامها عينٌ وغزلان
وما حازوا إلى الأعلىفأقمارٌ وأغصان
منها:
عليٌّ وأبو ذرٍّومقدادٌ وسلمان
وعبّاسٌ وعمّارٌوعبد الله إخوان
دعوا فاستودعوا علماًفأدّوه وما خانوا
أدين الله بالدين الذي كانوا به دانوا منها:
فحبّي لك إيمانوميلي عنه كفران
فعدّ القوم ذا رفضاًفلا عدّوا ولا كانوا
قال: فعهدي بالرشيد وقد ألطف له ووصله، وبره جماعة من الهاشميين، وتوفي بعد قليل.
قيل لما استقام الأمر للسفاح خطب يوماً فأحسن الخطبة، فلما نزل عن المنبر قام إليه السيد الحميري فأنشده:
دونكموها يا بني هاشمفجدّدوا من آيها الطّامسا
دونكموها فالبسوا تاجهالا تعدموا منكم لها لابسا
دونكموها لا علت كعب منأمسى عليكم ملكها نافسا
خلافة الله وسلطانهوعنصرٌ كان لكم دارسا
قد ساسها قبلكم ساسةٌلم يتركوا رطباً ولا يابسا
لو خيّر المنبر فرسانهما اختار إلاّ منكم فارسا
فلست من أن تملكوها إلىهبوط عيسى منكم آيسا
فقال السفاح سل حاجتك، قال: ترضى عن سليمان بن حبيب بن المهلب وتوليه الأهواز، قال: قد أمرت بذلك، وكتب عهده ودفعه إلى السيد، وقدم به عليه، فلما وقعت عينه عليه أنشده:
أتيناك يا قرم أهل العراقبخير كتابٍ من القائم
أتيناك من عند خير الأنامفذاك ابن عم أبي القاسم
يولّيك فيه جسام الأمورفأنت صنيع بني هاشم
أتينا بعهدك من عندهعلى من يليك من العالم
فقال له سليمان: شريف وشافع وشاعر ووافد ونسيب، سل حاجتك، فقال: جارية فارهة جميلة ومن يخدمها، وبدرة دراهم وحاملها، وفرس رائع وسائسه، وتخت من صنوف الثياب وحامله، قال: قد أمرت لك بكل ما سألت، وهو لك عندي كل سنة.
قال أبو ريحانة، وكان يشار إليه في التصوف والورع: حدثني رجل كان أبوه في جوار السيد قال: لما حضرته الوفاة جاءنا وليه فقال: هذا وإن كان مخلطاً فهو من أهل التوحيد، وهو جاركم، فادخلوا إليه ولقنوه الشهادة، قال: فدخلنا إليه وهو يجود بنفسه وقلنا له: قل لا إله إلا الله، قال: فاسود وجهه وفتح عينيه وقال: " وحيلَ بَيْنَهُمْ وبَينَ مَا يَشْتَهُون " سبأ قال: فخرجنا من عنده، فمات من ساعته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع