من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
عوف بن ملحم الخزاعي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
"
عوف بن ملحم الخزاعي، أحد العلماء الأدباء الرواة الفهماء الندماء الظرفاء الشعراء الفصحاء؛ كان صاحب أخبار ونوادر ومعرفة بأيام الناس، اختصه طاهر بن الحسين لمنادمته ومسامرته، فلا يسافر إلا وهو معه، فيكون زميله وعديله.
قال محمد بن داود: إن سبب اتصاله به أنه نادى على الجسر أيام الفتنة بهذه الأبيات، وطاهر منحدر في حراقة له بدجلة، وأنشده إياها، وهي هذه:
عجبت لحراقة ابن الحسين كيف تعوم ولا تغرق
وبحران من تحتها واحدوآخر من فوقها مطبق
وأعجب من ذاك عبدانها... وقد مسها كيف لا تورق فضمه طاهر إليه وبقي معه ثلاثين سنة لا يفارقه، وكلما استأذنه في الانصراف إلى أهله ووطنه لم يأذن له، فلما مات طاهر ظن أنه قد تخلص، وأنه يلحق بأهله، فقربه عبد الله بن طاهر، وأنزله منزلته من أبيه، وأفضل عليه حتى كثر ماله وحسنت حاله، وتلطف بجهده أن يأذن له بالعودة، فاتفق أن خرج عبد الله بن طاهر إلى خراسان فجعل عوفاً عديله، فلما شارف الري سمع صوت عندليب يغرد بأحسن تغريد، فأعجب ذلك عبد الله والتفت إلى عوف وقال: يا ابن محلم، هل سمعت بأشجى من هذا؟ فقال: لا والله، " فقال عبد الله ": قاتل الله أبا كبير حيث يقول:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح؟
أفق لا تنح من غير شيء فإننيبكيت زماناً والفؤاد صحيح
ولوعاً فشطت عربة دار زينبفها أنا أبكي والفؤاد قريح
فقال عوف: أحسن والله أبو كبير، إنه كان في الهذليين مائة وثلاثون شاعراً ما فيهم إلا مفلق، وما كان فيهم مثل أبي كبير، وأخذ عوف يصفه، فقال له عبد الله: أقسمت عليك إلا عارضت قوله، فقال عوف: قد كبر سني وفني ذهني وأنكرت كل ما أعرف، فقال له عبد الله: بتربة طاهر إلا فعلت، فقال عوف ﵀:
أفي كل عام غربة ونزوحأما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبيفهل أرين البين وهو طريح
وأرقني بالري نوح حمامةفنحت وذو البث الغريب ينوح
على أنها ناحت ولم تذر دمعةونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفراخها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه قيح
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح؟
عسى وجود عبد الله أن يعكس النوىفيلقي عصا التطواف وهي طليح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقهوعدم الفتى بالمعسرين طروح فاستعبر عبر الله ورق له وجرت دموعه،
وقال له: والله إني ضنين بمفارقتك شحيح على الفائت من محاضرتك، ولكن والله لا أعلمت معي خفاً ولا حافراً إلا راجعاً إلى أهلك، وأمر له بثلاثين ألف درهم، فقال له عوف:
يا ابن الذي دان له المشرقانوألبس الأمن به المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحناوكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطى لم تكنمقاربات وثنت من عنان
فأنشأت بيني وبين الورىعنانة من غير نسج العنان
ولم تدع في لمستمتعإلا لساني وبحبسي اللسان
أدعو بالله وأثني علىصنع الأمير المعصبي الهجان
وهمت بالأوطان وجداً بهالا بالغواني أين مني الغوان؟
فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةأوطانها حران والرقتان
سقى قصور الشاذياخ الحيامن بعد عهدي وقصور الميان
فكم وكم من دعوة لي بهاأن تتخطاها صروف الزمان وكر راجعاً إلى أهله فلم يصل إليهم،
ومات في حدود العشرين ومائتين.
ومن شعر عوف بن محلم رحمه الله تعالى:
وكنت إذا صحبت رجال قومصحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنهموأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأنظر ما يسرهم بعينعليها من عيونهم غطاء وقال:
وصغيرة علقتهاكانت من الفتن الكبار
بلهاء لم تعرف لغرتها يميناً من يسار
كالبدر إلا أنهاتبقى على ضوء النهار
"
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع