من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
صريع الغواني
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
"
مسلم بن الوليد، أبو الوليد مولى الأنصار المعروف بصريع الغواني، أحد فحول الشعراء؛ قيل إنه كان في أول أمره خاملاً أجير فران، فانقاد له الشعر وجوده وكسب به الأموال العظيمة، ثم اتصل بابني سهل: الحسن والفضل فولوه جرجان، فمات وهو واليها. مدح الرشيد وآل برمك وسار شعره. لقبه الرشيد بصريع الغواني لقوله:
وتغدو صريع الكاس والأعين النجلتوفي في حدود المائتين. وقصيدته التي قالها في يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني مشهورة جيدة،
وهي:
أجررت حبل خليع في الصبا غزلوشمرت همم العذال في عذلي
هاج البكاء على العين الطموح هوىمفرق بين توديع ومرتحل
كيف السلو لقلب بات مختبلاًيهذي بصاحب قلب غير مختبل
لولا مراعاة دمع العين لانكشفتمني سرائر لم تظهر ولم تخل
أما كفى البين أن أرمي بأسهمهحتى رماني بلحظ الأعين النجل
مما جنت لي وإن كانت منى صدقصبابة خلس التسليم بالمقل
ماذا على الدهر لو لانت عريكتهأو رد في الرأس مني سكرة الغزل
جرم الحوادث عندي أنها اختلستمني غذاء بنات الكرم والكلل
ورب يوم من اللذات مختصرقصرته بلقاء الراح والحلل
وليلت خلست للعين من سنةهتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل
عن غادة مثل قرن الشمس ناعمةفعم مخلخلها مرتجة الكفل
قد كان دهري وما بي اليوم من كبرشرب المدام وعزف القينة الفضل
إذا شكوت إليها الحب خفرهاشكواي واحمر خداها من الخجل
فكم قطعت وعين الدهر راقدةأيامه بالصبا في اللهو والغزل
وطيب الفرع أصفاني مودتهكافأته بمديح فيه منتخل
وبلدة لمطايا الركب منضيةأنضيتها بوجيف الأينق الذلل
فيم المقام وهذا البحر معترضاًدنا النجاء وحان السير فارتحل
يا مائل الرأس إن الليث مفترسميل الجماجم والأعناق فاعتدل
حذار من أسد ضرغامة شرسلا يولغ السيف إلا هامة البطل
لولا يزيد لأضحى الملك مطرقاأو مائل الرأس أو مسترخي الطول
حاط الخلافة سيف من بني مطرأقام قائمه من كان ذا ميل
كم صائل في ذرى تمهيد مملكةلولا يزيد بني شيبان لم يصل
ناب الإمام الذي يفتر عنه إذاًما افترت الحرب عن أنيابها العصل
كفاكم يا بني العباس أن لكمسيفاً بكم غير ما نكس ولا وكل
سد الثغور يزيد بعد ما انفرجتبقائم السيف لا بالختل والحيل
من كان يختل قرناً عند موقفهفإن جار يزيد غير مختتل
كم قد أذاق حمام الموت من بطلحامي الحفيظة لا يؤتي من الوهل
أغر أبيض يغشي البيض أبيض لايرضى لمولاه يوم الروع بالفشل
يغشى الوغى وشهاب الموت في يدهيرمي الفوارس والأبطال بالشعل
يفتر عند افترار الحرب مبتسماًإذا تغير وجه الفارس البطل
موف على مهج في يوم ذي رهجكأنه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال بهكالموت مستعجلاً يأتي على مهل
يغشي المنايا المنايا ثم يفرجهاحين النفوس مطلات على الهبل
إن شيم بارقه حالت خلائقهبين العطية والإمساك والعلل
لا يرحل الناس إلا نحو حجرتهكالبيت يضحي إليه ملتقى السبل
يقري المنية أرواح الكماة كمايقري الوحوش شحوم الكوم والبزل
يكسو السيوف نفوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذيل
يغدو فتغدو المنايا في أسنتهشوارعاً تتحدى الناس بالأجل
إذا طغت فئة عن غب طاعتهاعبى لها الموت بين البيض والأسل
قد عود الطير عادات وثقن بهافهن يتبعته في كل مرتحل
تراه في الأمن في درع مضاعفةلا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
جافي الجفون صحيح الطرف همتهفك العناة وأسر الفاتك الحطل
لا يعبق الطيب عينيه ومفرقهولا يمسح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكهمسالك الموت في الأبدان والقلل
وإن خلت بحديث النفس فكرتهحي الرجاء ومات الخوف من وجل
كالليث إن هجته فالموت راحتهلا يستريح إلى الأيام والدول
إنا لحوادث لما رمن هضبتهأزمعن عن جار شيبان بمنتقل
والدهر يغبط أولاه أواخرهإذا لم يكن كان في أعصاره الأول
لا تكذبن فإن المجد معدنهوراثة في بني شيبان لم يزل
إذا الشريكي لم يفخر على أحد تكلمالفخر عنه غير منتحل
الزائديون قوم في رماحهمخوف المخيف وأمن الخائف الوجل
سلوا السيوف فأغشوا من يحاربهمخبطاً بها غير تعذير ولا وكل
كبيرهم لا تقوم الراسيات لهحلماً وطفلهم في هدي مكتهل
إسلم يزيد فما في الدين من أودإذا سلمت وما في الملك من خلل
أثبت سوق بني الإسلام في صعديوم الخليج وقد قامت على زلل
لولا دفاعك بأس الروم إذ مكرتعن بيضة الدين لم تأمن الثكل
ويوسف البرم قد صبحت عسكرهبعسكر يلفظ الأقدار ذي زجل
غافصته يوم عبر النهر مهلتهوكان محتجزاً في الحرب بالمهل
والمارق ابن طريف قد دلفت لهبعارض للمنايا مسبل هطل
لما رآك مجداً في منيتهوإن دفعك لا يسطاه بالحيل
سام النزال فأبرزت اللقاء لهمقدم الخطو فيها غير منتكل
ماتوا وأنت غليل في صدورهموكان سيفك يستشفى من الغلل
لو أن غير شريكي أطاف بهافاز الوليد بقدح الناضل الخصل
وقمت بالدين يوم الرس فاعتدلتمنه دعائم القوم قد أوفت على خزل
ما كان جمعهم لما لقيتهمإلا كمثل نعام ريع منجفل
تابوا ولو لم يتوبوا من ذنوبهملآب جيشك بالأسرى وبالنفل
كم آمن لك نائي الدار ممتنعأخرجته من حصون الملك والخول
ومارقين غواة من بيوتهملا ينكلون ولا يؤتون من نكل
خلفت أجسادهم والطير عاكفةفيها وأقفلتهم هاماً مع القفل
يأبى لك الذم في يوميك إن ذكراعضب حسام وعرض غير مبتذل
فافخر فما لك في شيبان من مثلكذاك ما لبني شيبان من مثل
كم مشهد لك لا تحصى مآثرهقسمت فيه كرزق الجن والخبل
لله من هاشم في أرضه جبلوأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
قد أعظموك فما تدعى لهينةإلا لمعضلة تستن بالعضل
يا رب مكرمة أصبحت واحدهاأعيت صناديد راموها فلم تنل
تشاغل الناس بالدنيا وزخرفهاوأنت من بذلك المعروف في شغل
أقسمت ما ذدت عن جدواك طالبهاولا دفعت اعتزام الجد بالهزل
بأبي لسانك منع الجود سائلهفما يلجلج بين الجود والبخل
صدقت ظني وصدقت الظنون به... وحط جودك عقد الرحل عن جملي صنع هذه القصيدة لما أشخصه إليه إلى الرقة، فأخذه وأدخله على الرشيد، فأنشده شعره فيه، فأمر له بمائتي ألف درهم؛ ثم إن يزيد الممدوح بعث إليه بمائة وتسعين ألف درهم وقال: لا تكون عطيتي لك بمثل عطية أمير المؤمنين؛ قال مسلم: وأقطعني إقطاعات تبلغ ألف درهم؛ ثم أفضت الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبتني، فهجوته، فشكاني إلى الرشيد، فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: برغيف، فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كان رأيي أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، وأنا بريء من أبي، ووالله والله، إن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكيك؛ قال: فأمسكت عنه بعد ذلك ولم أذكره.
ومن شعر صريع الغواني:
لا يمنعنك خفض العيش في دعةنزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بهاأرضاً بأرض وجيراناً بجيران وقال أيضاً:
وليلة ناب الهم إلا بقيةتداركها طيف ألم فسلما
جمعنا معاذير العتاب برقدةمشت بيننا نطوي الحديث المكتما
وقال أيضاً:
وخندريس لها شعاعابنة خمسين ألف عام
كأنها كوكب منيروالبدر في ليلة التمام
لو قرنت بالظلام يوماًلانجاب عنا دجى الظلام
تكسب شرابها سروراًفما يراعون باهتمام
تضحك عن لؤلؤ شتيتألفه الماء البيت النظام
ما ذقتها قط غير أنيأمنحها الود بالكلام
حلت لي الكاس حين دارتعلي في سكرة المنام
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع