من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
أبو زكريا النواوي الحافظ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
"
يحيى بن شرف بن مرى بن حسن بن حسين، مفتي الأمة شيخ السلام محيي الدين أبو زكريا النواوي الحافظ الفقيه الشافعي الزاهد، أحد الاعلام؛ ولد في العشر الأوسط من المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى وتوفي رابع عشرين شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
قال الشيخ محيي الدين: زعم بعض أجدادي أن نسبه إلى حزام والد حكيم ﵁.
ولما كان له تسع عشرة سنة، قدم به والده إلى دمشق فسكن المدرسة الرواحية، وبقي نحو سنتين لا يضع جنبه إلى الأرض. وكان قوته جراية المدرسة. وحفظ " التنبيه " في نحو أربعة أشهر ونصف، وبقي قريب شهرين لما قرا: يجب الغسل من إيلاج الحشفة في الفرج، وهو يعتقد أنه قرقرة البطن، ويستحم بالماء البارد كلما قرقر بطنه؛ وحفظ ربع " المهذب " في باقي السنة، وصحح وشرح على شيخه كمال الدين إسحاق بن أحمد المغربي. ثم حج هو ووالده، وكانت وقفة الجمعة، وأقاموا بالمدينة نحوا من شهر ونصف. ولما رحل من نوى كانت الحمى أخذته فلم تفارقه إلى يوم عرفة. وكان يقرأ فيما بعد على المشايخ شرحاً وتصحيحاً: كل يوم اثني عشر درسا، درسين في " الوسيط " ودرسا في " المهذب " ودرسا في " الجمع بين الصحيحين " ودرسا في صحيح مسلم ودرسا في " اللمع " لابن جني ودرسا في " إصلاح المنطق " ودرسا في التصريف ودرسا في أصول الفقه، تارة في " اللمع " لأبي إسحاق وتارة في " المنتخب " للإمام فخر الدين، ودرسا في أسماء الرجال ودرسا في أصول الدين. وكان يعلق كل ما يتعلق بذلك من شرح مشكل ووضوح عبارة وضبط لغة.
وخطر له الاشتعال في علم الطب، فاشترى " القانون " وعزم على الاشتغال فيه؛ قال: فأظلم على قلبي، وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال بشيء. ففكرت في أمري ومن أين دخل علي الداخل، فألهمني الله أن سببه اشتغالي بالطب، فبعت " القانون " واستنار قلبي.
وسمع صحيح مسلم من الرضي ابن البرهان، وسمع البخاري ومسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وجامع الترمذي ومسند الشافعي وسنن الدارقطني وشرح السنة وأشياء عديدة. وسمع من ابن عبد الدايم والزين خالد وشيخ الشيوخ شرف الدين عبد العزيز والقاضي عماد الدين ابن الحرستاني وابن أبي اليسر ويحيى الصيرفي والصدر البكري والشيخ شمس الدين ابن أبي عمر وطائفة سواهم. وأخذ علم الحديث عن جماعة من الحفاظ، فقرأ كتاب " الكمال " لعبد الغني على أبي البقا خالد النابلسي وشرح مسلم ومعظم البخاري على المرادي. وأخذ الفقه عن القاضي أبي علي الفتح التفليسي، وتفقه على الإمام كمال الدين إسحاق المغربي والإمام شمس الدين عبد الرحمن ابن نوح وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي. وأخذ عنه القاضي صدر الدين سليمان الجعبري خطيب داريا والشيخ شهاب الدين ابن جعوان والشيخ علاء الدين ابن العطار وأمين الدين سالم والقاضي شهاب الدين الاربدي. وروى عنه ابن العطار والمزي وابن أبي الفتح وجماعة.
وقد نفع الله المسلمين بتصانيفه واشتهرت وجلبت إلى الأمصار، فمنها " المنهاج " و " شرح مسلم " و " الأذكار " و " رياض الصالحين " و " الأربعين حديثا " و " الإرشاد في علوم الحديث " و " التقريب " و " التيسير " و " المبهمات " و " تحرير ألفاظ التنبيه " و " العمدة في تصحيح التنبيه " و " الإيضاح في المناسك " و " الإيجاز " في المناسك - وله أربع مناسك أخر - و " التبيان في آداب حملة القرآن " و " الفتاوى " و " الروضة " و " المجموع في شرح المهذب " بلغ فيه إلى باب الربا في خمس مجلدات كبار. وشرح قطعة من البخاري وقطعة من " شرح الوسيط " إلى باب صلاة المسافر وقطعة كبيرة في " تهذيب الأسماء واللغات " وقطعة في " طبقات الفقهاء ".
قال علاء الدين ابن العطار: وله مسودات كثيرة، ولقد أمرني مرة ببيع كراريس نحو ألف كراس بخطه وأمرني أن أقف على غسلها في الوراقة، فلم أخالف أمره وفي قلبي منها حسرات. وأخباره في الزهد والورع والكرامات مشهورة.
وقد عمل له الشيخ علاء الدين ابن العطار سيرة ذكر فيها من رثاه من شعراء عصره، فمن جملتهم الشيخ مجد الدين ابن الظهير، رحمه الله تعالى، قال فيه:
عز العزاء وعم الحادث الجللوخاب بالموت في تعميرك الأمل
واستوحشت بعد ما كنت الأنيس لهاوساءها فقدك الأسحار والأصل
وكنت تتلو كتاب الله معتبراًلا يعتريك على تكراره ملل
قد كنت للدين نورا يستضاء بهمسدداً فيه منك القول والعمل
وكنت في سنة المختار مجتهداًوأنت باليمن والتوفيق مشتمل
وكنت زينا لأهل العلم مفتخراًعلى جدد كساهم ثوبك السمل
وكنت أسبقهم ظلا إذا استغرتهواجر الجهل والاضلال ينتقل
كساك ربك أثوابا مجملةيضيق عن حصرها التفصيل والجمل
اسلى كمالك عن قوم مضوا بدلاًوعن كمالك لا مسلى ولا بدل
فمثل فقدك ترتاع القلوب لهوفقد مثلك جرح ليس يندمل
زهدت في هذه الدنيا وزخرفهاعزما وحزما فمضروبا بك المثل
أعرضت عنها احتقارا غير محتفلوأنت بالسعي في أخراك محتفل
أسهرت في العلم عينا لم تذق سنةإلا وأنت بها في العلم مشتغل
يا لهف حفل عظيم كنت بهجتهوحليه فعراه بعدك العطل
وطالبو العلم من دان ومغتربنالوا بيمنك فيه فوق ما أملوا
حاروا لهيبة هاديهم وضاق بهملفرط حزن عليه السهل والجبل
ترى درى تربه من غيبوه بهأو نعشه من على أعواده حملوا
يا محيي الدين كم غادرت من كبدحرى عليك وعين دمعها هطل
وكم مقام كحد السيف لا جلديقوى على هوله فيه ولا جدل
أمرت فيه بأمر الله منتضياًسيفاً من العزم لم تصنع له خلل
وكم تواضعت عن فضل وعن شرفوهمة هامة الجوزاء تنتعل
عالجت نفسك والأدواء شاملةحتى استقامت وحتى زالت العلل
بلغت بالتعب الفاني رضى ملكثوابه في جنان الخلد متصل
ضيف الكريم جدير أن يضاف لهإلى الكرامة من ألطافه النزل
فجعت بالأنس ليلا كنت ساهرهلله والنوم قد خيطت به المقل
وحال نور نهار كنت صائمهإذا الهجير بنار الشمس مشتعل
لا زال مثواك مثوى كل عارفةوروضه النضر من سحب الرضى خضل
إلى متى بغرور نطمئن ولا الملوك رد الردى عنهم ولا الرسل
ولا حمى من حمام جحفل لجبولا حصون منيعات ولا قلل
يا لاهياً لاهياً عن هول مصرعهوضاحك السن منه يضحك الأمل
لا تخل نفسك من زاد فإنك منوقت الولاد مع الانفاس مرتحل
وما بقاء مديم السير يتبعهإلى محل بلاه سائق عجل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع