تجاوز إلى المحتوى

من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)

يزيد بن معاوية

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أمير المؤمنين أبو خالد؛ ولد سنة خمس أو سنة ست وعشرين للهجرة، بويع له بدمشق في شهر رجب سنة ستين للهجرة، وتوفي بدمشق لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين، وكان مدة ملكه ثلاث سنين وثمانية أشهر واثنين وعشرين يوما، وصلى عليه ابنه معاوية، وسنه ثماني وثلاثون سنة.

وكان ضخما آدم سمينا مجدورا، وله ديوان لا يصح عنه منه إلا القليل، وقد جمع ديوانه الصاحب جمال الدين علي بن يوسف القفطي وأضاف إليه كل من اسمه يزيد.

وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: لما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل، وقتل الحسين ﵁ وإخوته، وأكثر من شرب الخمر وارتكب أشياء منكرة أبغضه الناس وخرج عليه غير واحد ولم يبارك الله تعالى في عمره.

سئل الكيا الهراسي عن يزيد بن معاوية فقال إنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في زمن عمر بن الخطاب؛ وأما قول السلف ففيه قولان: تلويح وتصريح، ولنا قول واحد: التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالشطرنج والنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر؟!

قيل إن معاوية في بعض الليالي أنهي إليه أن يزيد ولده يشرب، فأتى إليه ليوقع به فوجده يقول:

ألا إن أهنا العيش ما سمحت بهصروف الليالي والحوادث نوم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسيّارة ضلَّتْ عن القصْدِ بعدما»

فقال معاوية: والله لا كنت عليه في هذه الليلة من الحوادث، ثم رجع من حيث أتى.

رجعنا إلى الأصل:

وكتب الكيا فصلا طويلا ثم قلب الورقة وكتب: " لو " مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل، وكتب فلان ابن فلان.

وقد أفتى الغزالي رحمه الله تعالى بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد: هل يحكم بفسقه؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال رسول الله ﷺ: " المسلم ليس بلعان "، وكيف يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم، وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي ﷺ؛ ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله الحسين ﵁ ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام، وقد قال الله تعالى " اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم " وقال النبي ﷺ: إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء. ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم غاية حمقه، فإن كان من عصره من الأكابر والوزراء والسلاطين لو أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله أو رضي به أو كرهه لم يقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف لو كان في بلد بعيد وزمن بعيد وقد انقضى، فكيف نعلم ذلك في ما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد؟ وقد تطرق التعصب في الواقعة فكثرت فيها الأحاديث، فهذا أمر لا تعرف حقيقته أصلا، وإذا لم تعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم، ومع هذا فلو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، فإذا مات القاتل ربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم تجز لعنته، فكيف بمن تاب عن قتل؟ وكيف نعرف أن قاتل الحسين ﵁ مات قبل التوبة، " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده " " الشورى " فإذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقاً عاصياً لله ﷿ ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصياً بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة: لم لم تلعن إبليس، ويقال للاعن: لم لعنت؟ ومن أين عرفت أنه ملعون مطرود؟ والملعون هو المبعود من الله ﷿، ولك عيب ولا يعرف إلا في من مات كافراً، فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه فهو جائز، بل هو مستحب، بل هو داخل في قولنا كل صلاة: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنا، والله أعلم، كتبه الغزالي.

وحكى ابن القفطي أن يزيد كان له قرد يجعله بين يديه ويكنيه أباقيس، ويقول: هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ، وكان يسقيه النبيذ ويضحك منه، وكان يحمله على أتان، فحمله يوما وجعل يقول:

تمسك أبا قيس بفضل عنانهافليس عليها إن هلكت ضمان
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «تمسك أبا قيس بفضل عنانها»

فقد سبقت خيل الجماعة كلها... وخيل أمير المؤمنين أتان وجاء أبا قيس في ذلك اليوم ريح فمال ميتا والأتان، فحزن عليه وأمر بدفنه بعد أن كفنه، وأمر أهل الشام أن يعزوه فيه وأنشأ يقول:

لم يبق قرم كريم ذو محافظةإلا أتانا يعزي في أبي قيس
شيخ العشيرة أمضاها وأحملهاله المساعي مع القربوس والديس
لا يبعد الله قبرا أنت ساكنهفيه الجمال وفيه لحية التيس ومن شعره:
شربت على الجوزاء كأسا رويةوأخرى إذا الشعرى العبور استهلت
معتقة كانت قريش تعافهافلما استحلوا دم عثمان حلت ومنه:
أقول لصحب ضمت الكاس شملهموداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيب من نعيم ولذةفكل وإن طال المدى يتصرم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسيارة ضلت عن القصد بعدما»
ولا تتركوا يوم السرور إلى غدفرب غد يأتي بما ليس يعلم
ألا إن أهنأ العيش ما سمحت بهصروف الليالي والحوادث نوم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وسيّارة ضلَّتْ عن القصْدِ بعدما»
لقد كادت الدنيا تقول لأهلهاخذوا لذة، لو أنها تتكلم
وسيارة ضلوا عن القصد بعدماتداركهم جنح من الليل مظلم
أناخوا على قوم ونحن عصابةوفينا فتى من سكره يترنم
أضاءت لهم منا على البعد قهوةكأن سناها ضوء نار تضرم
إذا ما حسوناها أناخوا مطيهموإن مزجت حثوا الركاب ويمموا وقال أيضا:
ولقد طعنت الليل في أعجازهبالكاس بين غطارف كالأنجم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «ولقد طعنت الليل في أعجازه»
يتمايلون على النعيم كأنهمقضب من الهندي لم تتثلم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «ولقد طعنت الليل في أعجازه»
ولقد شربناها بخاتم ربهابكرا وليس البكر مثل الأيم
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «ولقد طعنت الليل في أعجازه»
ولها سكون في الإناء ودونهشغب يطوح بالكمي المعلم وقال أيضا:
ولي ولها إذا الكاسات دارترقى سحر يحل عرى الهموم
محادثة ألذ من الأمانيوبث جوى أرق من النسيم

وقال أيضا:

وساق أتاني والثريا كأنهاقلائص قد أعنقن خلف فنيق
وناولني كأسا كأن بنانهمخلفة من نورها بخلوق
وقال اغتنم من دهرنا غفلاتهفعقد وداد الدهر غير وثيق
وإني من لذات دهري لقانعبحلو حديث أم بمر عتيق
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وداع دعاني والنجوم كأنها»
هما ما هما لم يبق شيء سواهماحديث صديق أم عتيق رحيق
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «وداع دعاني والنجوم كأنها»

إذا شجها الساقي حسبت حبابها... نجوما تبدت في سماء عقيق ويقال إنه لما أتي برأس الحسين ﵁ صاح بنات معاوية وعيالهم وسمعهم يزيد فذرفت عيناه وقال:

يا صيحة تحمد من صوائحما أهون الموت على النوائح

ثم قال: إذا قضى الله أمرا كان مفعولا، كنا نرضى من أهل العراق بدون قتل الحسين. وعرض عليه في من عرض علي بن الحسين ﵄ فأراد قتله والأمن من غائلته ثم كف وارعوى وقال:

هممت بنفسي همة لو فعلتهالكان قليلا بعدها ما ألومها
ولكنني من عصبة أمويةإذا هي زلت أدركتها حلومها

ولما تحقق معاوية أن يزيد يشرب الخمر عز عليه ذلك وأنكر عليه وقال: إن رسول الله ﷺ قال: من ابتلي بشيء من هذه القاذورات فليستتر، وإنك تقدر على بلوغ لذتك في ستر؛ فتماسك عن الشرب ثم دعته نفسه لما اعتاده، فجلس على شرابه، فلما استخفه الخمر وداخله الطرب قال يشير إلى أبيه:

أمن شربة من ماء كرم شربتهاغضبت علي؟! الآن طاب لي السكر
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «أمن شربة من ماء كرم شربتها»
سأشرب فاغضب لا رضيت، كلاهماحبيب إلى قلبي: عقوقك والخمر
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «أمن شربة من ماء كرم شربتها»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «فوات الوفيات»