من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
الملك الناصر صاحب الشام
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
يوسف بن محمد بن غازي بن يوسف بن أيوب بن شاذي، السلطان الملك الناصر صلاح الدين ابن الملك العزيز ابن الملك الظاهر ابن الناصر صلاح الدين؛ هو صاحب حلب ثم صاحب الشام. ولد بقلعة حلب في رمضان سنة سبع وعشرين وستمائة وقتل سنة تسع وخمسين؛ تولى الملك عند موت والده العزيز سنة أربع وثلاثين وستمائة، وقام بتدبير دولته الأمير شمس الدين لؤلؤ الأميني والأكرم ابن القفطي وعز الدين ابن المجلي والطواشي جمال الدولة إقبال الخاتوني، والأمر كله لجدته الصاحبة صفية خاتون بنت العادل. ولما توجه القاضي بهاء الدين إلى الكامل بوصية العزيز - وكان قد مات وعمره أربع وعشرون سنة - فلما رآها الكامل بكى وحلف للناصر لأجل أخته صفية خاتون، فلما توفيت سنة أربعين اشتد الناصر وأمر ونهى؛ فلما كانت سنة ست وأربعين، سار من جهته نائبه شمس الدين لؤلو وحاصر حمص، وطلب النجدة من الصالح نجم الدين أيوب فلم ينجده، وغضب، واستمرت حمص في ملك الناصر؛ فلما كان شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين، قدم إلى دمشق وأخذها بلا كلفة. وفي أثناء السنة قصد الديار المصرية، فما تم له ذلك. وفي سنة اثنتين وخمسين دخل على بيت السلطان علاء الدين صاحب الروم.
وكان الناصر سمحاً جواداً حليماً حسن الأخلاق محبباً إلى الرعية، فيه عدل وصفح ومحبة للفضلاء والأدباء، وكان سوق الشعر نافقة في أيامه، وكان يذبح في مطبخه كل يوم أربعمائة راس غنم سوى الدجاج والطيور والأجدية. وكان يبيع الغلمان من سماطه شي كثير عند باب القلعة بدمشق بأرخص الأثمان من المآكل الفاخرة.
حكى علاء الدين بان نصر الله أن الناصر جاء إلى داره بغتة؛ قال: فمددت له شيئاً كثيراً في الوقت بالدجاج المحشي بالسكر والفستق وغيره، فقال: كيف تهيأ لك هذا؟ فقلت: هو من نعمتك، اشترتيه من باب القلعة. وكانت نفقته في كل يوم أكثر من عشرين ألف درهم.
وكان يحاضر الأدباء والفضلاء، وعلى ذهنه كثير من الشعر والأدب، وله نوادر ونظم، وحسن ظن بالصالحين. وبني بدمشق مدرسة جوا باب الفراديس، وبالجبل رباطاً، وبنى الخان عند المدرسة الزنجيلية. وبلغه عن بعض الفقراء من الأجناد أنه تسمح في حقه فأحضره ليؤدبه، فلما رأى وجله رق له وأرم له بذهب وصرفه ولم يؤاخذه. وكانت تمر له الأيام الكثيرة يجلس فيها من أول النهار إلى نصف الليل يوقع على الأوراق ويصل الأرزاق، وقيل إنه خلع في أقل من سنة أكثر من عشرين ألف خلعة.
وكانوا الفرنج قد ضمنوا له أخذ الديار المصرية على أن يسلم إليهم القدس وبلاد أخر، ودار الأمر على أن تعطى لهم أو للمصريين، فبذل ذلك للمصريين اتباعاً لرضى الله ﷿، وقال: والله لا لقيت الله تعالى وفي صحيفتي إخراج القدس عن المسلمين. ولما بعد عن خزائنه احتاج إلى قرض أرهن أملاكه وضرب أواني الذهب والفضة، وقيل له في أخذ القابض من الأوقاف، فما مد يده إلى شيء منها بدمشق ولا بحلب.
قال ابن العديم: حضر بعض المدرسين إلى العسكر، ورفع على يدي قصة بين يديه تتضمن التضور من قلة معلومه، ويذكر أن عياله وصلوا من مصر وأنه لا يطلب التثقيل على السلطان في مثل هذا الوقت الذي يحتاج فيه إلى الكلف بن يطلب زيادة في المدرسة التي هو بها. فسأل عن شرط الواقف، فقيل: شرطه ما يتناوله الآن، لكن ذكر أنه في كتاب الوقف ما يدل على أن السلطان يزيده إذا رأى في ذلك مصلحة. فأطرق كما هي عادته إذ لم يرى قضاء ما طلب، ولم يرد في ذلك جواباً، ولم يهن عليه رده خائباً، وتورع عن مخالفة الواقف، فقرر له ما طلبه على ديوانه دون الوقف.
قال ابن العديم: أنشدني لنفسه، ﵀:
البدر يجنح للغروب ومهجتيلفراق مشبهه أسى تتقطع
والشرب قد خاط النعاس جفونهموالصبح من جلبابه يتطلع ومن شعره أيضاً:
سقى حلب الشهاب كل مرنةسحائب غيث نوؤها ليس يقلع
فتلك ربوعي لا العقيق ولا الحمىوتلك دياري لا زرود ولعلع وقال أيضاً:
فو الله لو قطعت قلبي تأسفاًوجرعتني كاسات دمعي دما صرفا
لما زادني إلا هوى ومحبة... ولا اتخذت روحي سواك لها إلفا وورد الخبر في منتصف صفر من سنة ثمان وخمسين وستمائة بورود التتار إلى حلب ودخولها بالسيف، فهرب السلطان مع الأمرا الموافقين له، وزال ملكه، ودخل التتار بعده بيوم إلى دمشق، وقري فرمان الملك بأمان أهل دمشق وما حولها حتى وصل السلطان إلى قطيا وتفرق عنه عسكره، فتوجه مع خواصه إلى وادي موسى ثم جاء إلى بركة زيزا فكبسه كتبغا، فهرب وأتى إلى التتار بالأمان، فبقي معهم البيت ذل وهوان. فلما بلغ هولاكوا قتل كتبغا قتله، قيل إنه قتله بالسيف عقيب واقعة عين جالوت، وقيل خصل بعذاب دون أصحابه، وقيل جعل هدفاً للسهام، وقيل جمع له نخلتان وربط بينهما وافترقتا فذهبت كل واحدة بشق منه.
قال شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن العجمي: أنشدني الناثر لنفسه:
يا برق أنش من الغمام سحابةوطفاء هامية على بطياس
وأدم على تلك الربوع وأهلهاغيثاً يرويها مع الأنفاس
وعلى ليال بالصفاء قطعتهامع كل غانية وظبي كناس فأنشدته ارتجالاً:
فلتلك أوطاني ومعهد أسرتيومقر أحبابي ومجمع ناسي
ليس الفؤاد وإن تناءت سالياًعنها ولا لعهودها بالناسي
وكان قتله في الخامس وعشرين من شوال سنة ثمان وخمسين وستمائة، وعمل عزاؤه في سادس وعشرين ربيع الآخر سنة تسع وخمسين بقلعة الجبل من الديار المصرية، رحمه الله تعالى.
ورثاه غير واحد من شعراء دولته وغيرهم. فممن رثاه أمين الدين السليماني، قال حين توجه الملك الناصر مع التتار وانقطعت أخباره والتبس أمره:
بكى الملأ الأعلى على الملك الأعلىوأصبحت الدنيا لفقدانه ثكلى
تولى صلاح الدين يوسف وانقضتمحاسنه الحسنى وسيرته المثلى
وفارق ملك الشام والشرق عنوةفريداً كما جردت من غمده نصلا
وأضحى أسيراً في التتار مروعاًفبكوا عزيزاً لم يكن يعرف الذلا
وأني لأرجو أن يكون كصارميجرده قين ليحكمه صقلا
تناقضت الأخبار عنه لبعدهفيا لحديث ما أمر وما أحلى
فيا ليت عيني عاينت كنه حالهلقد شفني حزني عليه وقد أبلى
أبكيه في الأسرى وأرجو خلاصهرجاء بعيد أم أرثيه في القتلى
أبن مخبراً: يا يوسف بن محمدأحي ترجى أنت أم ميت تسلى
ووالله ما يسلوك قلب ابن حرةجعلت له من طولك الفرض والنفلا
وقال فيه حين بلغه أن التتار قتلوه:
رمت الخطوب فأقصدتك نبالهاوالأرض بعدك زلزلت زلزالها
أأبا المظفر يوسف بن محمدلا قلت بعدك للحوادث يا لها
خذلتك أسرتك الذين ذخرتهمللنائبات وقد وقفت حيالها
تركوك منفرداً بقطية ذاهلاًتسفي عليك العاصفات رمالها
تبكيك ولولة الحريم حواسراًمن كل معولة تضم عيالها
ومصونة البيت خدرها ما شاهدتقبل الرزية ما يروع بالها
كيف الخلاص من المنية لامريءمن بعد ما نصبت عليه حبالها
أأبا المظفر يوسف بن محمدجرعت نفسي صابها وخبالها
إن الملوك إذا تخاذل بعضهاعن بعضها ففعالها أفعى لها
ذكري مصيبات الملوك تعللاًإذ كان حالك في المصية حالها
إني لأجتنب المراثي طامعاًببقاء نفسك بالغاً آمالها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع