من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
خبره عند سليمان بن عبد الملك
ولأبيات الفرزدق التى ذكرناها خبر مشهور متداول، أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة عن يونس قال:
دخل الفرزدق على سليمان بن عبد الملك وعنده نصيب الشاعر، فقال له سليمان أنشدنى، فأنشده الأبيات التى تقدم ذكرها، فاسودّ وجه سليمان وغاظه/ فعله، وكان يظن أنه ينشده مديحا له، فلمّا رأى نصيب ذلك قال: ألا أنشدك؟ فأنشده:
أقول لركب قافلين لقيتهمقفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّرونى عن سليمان إننىلمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذّي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقال له سليمان: أنت أشعر أهل جلدتك؛ وفى بعض الأخبار أنّ الفرزدق قال ذلك فى نصيب حين سأله عنه سليمان.
وروى أيضا أنه لما أنشد نصيب أبياته قال له سليمان: أحسنت، ووصله ولم يصل الفرزدق فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشّعر أكرمه رجالاوشرّ الشّعر ما قال العبيد
ولا شبهة فى أنّ أبيات الفرزدق مقدمة فى الجزالة والرّصانة على أبيات نصيب؛ وإن كان نصيب قد غرّب
وأبدع فى قوله:
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
إلّا أنّ أبيات نصيب وقعت موقعها، ووردت فى حال تليق بها، وأبيات الفرزدق جاءت فى غير وقتها وعلى غير وجهها؛ فلهذا قدّمت أبيات نصيب.
والفرزدق مع تقدّمه فى الشعر وبلوغه فيه إلى الذّروة العليا، والغاية القصوى شريف الآباء، كريم البيت، له ولآبائه مآثر لا تدفع، ومفاخر لا تجحد. والفرزدق لقب لقّب به، وليس باسمه، وإنما لقّب بذلك لجهامة وجهه، وغلظه؛ لأنّ الفرزدقة هى القطعة الضخمة من العجين، وقيل: إنها الخبزة الغليظة التى يتّخذ منها النساء الفتوت، واسمه همام بن غالب، وكنيته أبو فراس، وقيل إنّه كان يكنى فى شبابه بأبى مكّية وهى أغرب كنيته.
وكان شيعيّا مائلا إلى بنى هاشم، ونزع فى آخر عمره عما كان عليه من القذف
والفسق، وراجع طريقة الدين، على أنه لم يكن فى خلال فسقه منسلخا من الدّين جملة، ولا مهملا لأمره أصلا.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع