من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
خبر مديحه لعلي بن الحسين بن علي
ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا الحسن بن محمد قال حدّثني جدّى يحيى بن الحسن العلوىّ قال حدّثنا الحسين بن محمد بن طالب قال: حدّثني غير واحد من أهل الأدب أن عليّ بن الحسين ﵉ حجّ فاستجهر الناس جماله، وتشوّفوا له، وجعلوا يقولون: من هذا؟ فقال الفرزدق:
هذا ابن خير عباد الله كلّهمهذا التّقىّ النّقيّ الطّاهر العلم
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحلّ والحرم
إذا رأته قريش قال قائلهاإلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحتهركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضى حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلّا حين يبتسم
أىّ القبائل ليست فى رقابهملأوّليّة هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أوّليّة ذافالدّين من بيت هذا ناله الأمم
وفى رواية الغلابىّ أن هشام بن عبد الملك حج فى خلافة عبد الملك- أو الوليد- وهو حديث السن، فأراد أن يستلم الحجر، فلم يتمكن من ذلك لتزاحم الناس عليه، فجلس ينتظر خلوة؛ فأقبل على بن الحسين ﵉، وعليه إزار ورداء، وهو من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، بين عينيه سجّادة، كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت، فإذا بلغ الحجر تنحّى الناس له حتى يستلمه، هيبة له وإجلالا. فغاظ ذلك هشاما، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الّذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه- لئلا يرغّب فيه أهل الشام. فقال الفرزدق- وكان هناك حاضرا-: لكنى أعرفه، وذكر الأبيات، وهى أكثر مما رويناه؛ وإنما تركناها لأنها معروفة.
قال: فغضب هشام، وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكّة والمدينة، وبلغ ذلك عليّ بن الحسين ﵉، فبعث إلى الفرزدق باثنى عشر ألف درهم وقال: اعذرنا/ يا أبا فراس، فلو كان عندنا فى هذا الوقت أكثر منها لوصلناك به، فردّها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الّذي قلت إلا غضبا لله ورسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئا؛ فردها إليه وأقسم عليه فى قبولها وقال له: قد رأى الله مكانك، وعلم نيّتك، وشكر لك، ونحن أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه؛ فقبلها، وجعل الفرزدق يهجو هشاما وهو فى الحبس؛ فمما هجاه به قوله:
تحبّسنى بين المدينة والّتيإليها رقاب النّاس يهوى منيبها
يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّدوعينا له حولاء باد عيوبها
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع