تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [عن النبي ص أنه قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله ﷿ أدومها وإن قلّ]

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله ﷿ أدومها وإن قلّ؛ فعليكم من الأعمال بما تطيقون؛ فإنّ الله لا يملّ حتّى تملوا».

وفى وصفه ﵇ الله تعالى بالملل وجوه أربعة:

أوّلها أنه أراد نفى الملل عنه، وأنه لا يملّ أبدا، فعلّقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال الله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ [الأعراف].

وقال الشاعر:

فإنّك سوف تحكم أو تناهىإذا ما شبت أو شاب الغراب

أراد أنك لا تحكم أبدا. فإن قيل: ومن أين قلتم: إن ما علقه به لا يقع حتى حكمتم بأنه أراد نفى الملل على سبيل التأبيد؟ قلنا: معلوم أنّ الملل لا يشمل البشر فى جميع آرابهم وأوطارهم، وأنهم لا يعرون من حرص ورغبة وأمل وطمع، فلهذا جاز أن يعلّق ما علم تعالى أنه لا يكون بمللهم.

والوجه الثانى أن يكون المعنى أنه لا يغضب عليكم ويطرحكم حتى تتركوا العمل له، وتعرضوا عن سؤاله، والرغبة فى حاجتكم إلى جوده؛ فسمّى الفعلين مللا؛ وإن لم يكونا على الحقيقة كذلك؛ على مذهب العرب فى تسميتها الشيء باسم غيره إذا وافق معناه فى بعض الوجوه، قال عدىّ بن زيد العبادىّ:

ثمّ أضحوا لعب الدّهر بهموكذاك الدّهر يؤدى بالرّجال

وقال عبيد بن الأبرص الأسدىّ:

سائل بنا حجر ابن أمّ قطام إذظلّت به السّمر الذّوابل تلعب

فنسبا اللّعب إلى الدهر والقنا تشبيها؛ وقال ذو الرّمة:

وأبيض موشيّ القميص نصبتهعلى خصر مقلات سفيه جديلها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أخرقاء للبين استقلت حمولها»

فسمّى اضطراب زمامها، وشدة تحركه سفها؛ لأن السفه فى الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب/ والحركة، وإنما وصف ناقته بالذكاء والنشاط. فأما قوله: «وأبيض موشيّ القميص» فإنما عنى به سيفه، وقميصه: جفنه، والمقلات: الناقة التى لا يعيش لها ولد.

والوجه الثالث أن يكون المعنى أنه تعالى لا يقطع عنكم فضله وإحسانه حتى تملّوا من سؤاله، ففعلهم ملل على الحقيقة، وسمّى فعله تعالى مللا، وليس بملل على الحقيقة للازدواج

ومشاكلة اللفظين فى الصورة، وإن اختلفا فى المعنى، ومثل هذا قوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ؛، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛. ومثله قول الشاعر- وهو عمرو بن كلثوم التغلبىّ.

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

وإنما أراد المجازاة على الجهل، لأن العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدّح به.

والوجه الرابع أن يكون الراوى وهم وغلط من الضمّ إلى الفتح: وأن يكون قوله «يملّ» بالضمّ لا بالفتح، وعلى هذا يكون له معنيان: أحدهما أنه لا يعاقبكم بالنار حتى تملوا عبادته وتعرضوا عن طاعته، لأن الملّة هى مشتوى الخبز؛ يقال: ملّ الرجل الخبزة وغيرها يملّها ملّا إذا اشتواها فى الملّة. وقيل: إنّ الجمر لا يقال له ملّة حتى يخالطه رماد؛ والمعنى الثانى أن يكون أراد أنّه لا يسرع إلى عقابكم، بل يحلم عنكم ويتأنّى بكم حتى تملّوا حلمه، وتستعجلوا عذابه، بركوبكم المحارم وتتابعكم فى المآثم.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٣)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.