من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية: [كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
.]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله ﵎ مخبرا عن مهلك قوم فرعون وتوريثه نعمهم: كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ. فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ؛.
وكيف يجوز أن يضيف البكاء إليهما، وهو لا يجوز فى الحقيقة عليهما؟.
الجواب، يقال له فى هذه الآية وجوه أربعة من التأويل:
أوّلها أنه تعالى أراد أهل السماء والأرض فحذف كما حذف فى قوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛؛ وفى قوله تعالى حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها؛ وأراد أهل القرية، وأصحاب الحرب، ويجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، يريدون: السخاء سخاء حاتم؛ قال الحطيئة:
وشرّ المنايا ميّت وسط أهلهكهلك الفتى قد أسلم الحىّ حاضره
أراد شر المنايا ميتة ميّت؛ وقال الآخر:
قليل عيبه والعيب جمّولكنّ الغنى ربّ غفور
أراد: غنى ربّ غفور؛ وقال ذو الرّمة:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّةسواسية أحرارها وعبيدها
أراد أهل مجلس، وأما قوله: «صهب السّبال» فإنما أراد به الأعداء، والعرب تصف الأعداء بذلك، وإن لم يكونوا صهب الأسبلة، وقوله: «سواسية» يريد أنهم مستوون متشابهون؛ ولا يقال هذا إلا فى الذم.
وثانيها أنه أراد تعالى المبالغة فى وصف القوم بصغر القدر، وسقوط المنزلة؛ لأنّ العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت: كسفت الشمس لفقده، وأظلم القمر، وبكاء
الليل والنهار والسماء والأرض، يريدون بذلك المبالغة فى عظم الأمر وشمول ضرره؛ قال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز:
/ الشّمس طالعة ليست بكاسفةتبكى عليك نجوم الليل والقمرا
وقال يزيد بن مفرّغ الحميرىّ:
الرّيح تبكى شجوهاوالبرق يلمع فى الغمامة
وهذا صنيعهم فى وصف كل أمر جلّ خطبه، وعظم موقعه؛ فيصفون النهار بالظلام، وأن الكواكب طلعت نهارا
لفقد نور الشمس وضوئها؛ قال النابغة:
تبدو كواكبه والشّمس طالعةلا النّور نور ولا الإظلام إظلام
وقال طرفة:
إن تنوّله فقد تمنعهوتريه النجم يجرى بالظهر
ومن هذا قولهم: لأرينّك الكواكب بالنهار، ومعناه أورد عليك ما يظلم له فى عينك النهار، فتظنّه ليلا ذا كواكب.
فأما بيت جرير فقد قيل فى انتصاب النجوم والقمر وجوه ثلاثة: أحدهما أنه أراد أن الشمس طالعة وليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل والقمر، لأن عظم الرزء قد سلبها ضوأها؛ فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب. والوجه الثانى أن يكون انتصاب ذلك كما ينتصب فى قولهم: لا أكلمك الأبد، والدهر، وطوال المسند، وما جرى مجرى ذلك، فكأنه أخبر
بأنّ الشمس تبكيه ما طلعت النجوم وظهر القمر. والوجه الثالث أن يكون القمر ونجوم الليل باكين الشمس على هذا المرثىّ المفقود، فبكتهن؛ أى غلبتهنّ بالبكاء؛ كما تقول: باكاني عبد الله فبكيته، وكاثرنى فكثرته، أى غلبته وفضلت عليه.
وثالثها أن يكون معنى الآية الأخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم ولا انتصر لهم، لأن العرب كانت لا تبكى على قتيل
إلا بعد الأخذ بثأره، وقتل من كان بواء به من عشيرة القاتل، فكنّى تعالى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار، والأخذ بالثأر؛ على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.
ورابعها أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم فى الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء.
ويطابق هذا التأويل ما روى عن ابن عباس رحمة الله عليه/ فى قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ قيل له: أو تبكيان على أحد؟ فقال: نعم، مصلّاه فى الأرض، ومصعد عمله فى السماء. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «ما من مؤمن إلّا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه»، ومعنى البكاء هاهنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال: بكى منزل فلان بعده، قال ابن مقبل:
لعمر أبيك لقد شاقنىمكان حزنت له أو حزن
وقال مزاحم العقيلىّ:
بكت دارهم من أجلهم وتهلّلتدموعى فأىّ الجازعين ألوم
أمستعبرا يبكى من الهون والبلىوآخر يبكى شجوه ويئيم
فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله عن بوارهم مقام صالح فى الأرض، ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء والأرض.
ويمكن فى الآية وجه خامس، وهو أن يكون البكاء فيها كناية عن المطر والسّقيا؛ لأن العرب تشبّه المطر بالبكاء، ويكون معنى الآية أنّ السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد عليهم بالقطر؛ على مذهب العرب المعروف فى ذلك؛ لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزّائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم الزّهر والرّياض؛ قال النابغة:
فلا زال قبر بين تبنى وجاسمعليه من الوسمىّ طلّ ووابل
فينبت حوذانا وعوفا منوّراسأتبعه من خير ما قال قائل
وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام، ومسألة الله تعالى لهم الرضوان، والفعل الّذي أضيف إلى السماء- وإن كان لا يجوز إضافته إلى الأرض- فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر لها فعل يصح نسبه إليها، والعرب تفعل مثل هذا؛ قال الشاعر:
يا ليت زوجك فى الوغىمتقلّدا سيفا ورمحا
فعطف الرمح على السيف، وإن كان التقلّد لا يجوز فيه، لكنه أراد حاملا رمحا، ومثل هذا يقدّر/ فى الآية، فيقال: إنه تعالى أراد أن السماء لم تسق قبورهم، وأن الأرض لم تعشب عليها؛ وكلّ هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله تعالى ورضوانه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع