من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
خبر تنسّكه فى آخر عمره وما قاله من شعر فى ذلك
ومما يشهد لذلك ما أخبرنا به عليّ بن محمد الكاتب عن أبى بكر محمد بن يحيى الصولىّ عن أبى حفص الفلّاس
عن عبد الله بن سوّار/ عن معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال:
دخلت على الفرزدق، فجعلت أحادثه، فسمعت صوت حديد يتقعقع، فتأملت الأمر، فإذا هو مقيّد الرّجل، فسألته عن السبب فى ذلك، فقال: إنى آليت على نفسى ألّا أنزع القيد من رجلى، حتى أحفظ القرآن.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانيّ قال أخبرنى أبو ذرّ القراطيسىّ قال حدثنا ابن أبى الدّنيا قال حدّثني الرّياشىّ عن الأصمعىّ عن سلام بن مسكين قال: قيل للفرزدق؛ علام تقذف المحصنات؟ فقال: والله، لله أحبّ إلى من عينىّ هاتين، أفتراه يعذّبنى بعدها!.
وروى أنّه تعلّق بأستار الكعبة، وعاهد الله على ترك الهجاء والقذف اللّذين كان ارتكبهما، وقال:
ألم ترنى عاهدت ربّى وإنّنىلبين وتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلماولا خارجا من فىّ زور كلام
أطعتك يا إبليس سبعين حجةفلمّا انقضى عمرى وتمّ تمامى
فزعت إلى ربّى وأيقنت أنّنىملاق لأيّام الحتوف حمامى
وروى الصّولى عن الحسين بن الفيّاض عن إدريس بن عمران قال: جاءنى الفرزدق، فتذاكرنا رحمة الله وسعتها؛ فكان أوثقنا بالله، فقال له رجل: ألك هذا الرجاء والمذهب وأنت تقذف المحصنات، وتفعل ما تفعل! فقال: أترونني لو أذنبت إلى أبوىّ، أكانا يقذفانى
فى تنوّر، وتطيب أنفسهما بذلك؟ قلنا: لا، بل كانا يرحمانك، قال: فأنا والله برحمة ربّى أوثق منى برحمتهما.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق قال حدّثني محمد بن محمد بن سليمان الطّفاوىّ قال: حدثنى أبى عن جدى قال: شهدت الحسن البصرىّ فى جنازة النّوار (امرأة الفرزدق) - وكان الفرزدق حاضرا- فقال له الحسن وهو عند القبر: يا أبا فراس، ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله مذ ثمانون سنة، فقال له الحسن: هذا العمود فأين الطّنب!. وفى رواية أخرى أنه قال له: نعم ما أعددت، ثم قال الفرزدق فى الحال:
/ أخاف وراء القبر- إن لم يعافنى-أشدّ من الموت التهابا وأضيقا
إذا جاءنى يوم القيامة قائدعنيف وسوّاق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشىإلى النّار مغلول القلادة أزرقا
يقاد إلى نار الجحيم مسربلاسرابيل قطران لباسا محرّقا
قال: فرأيت الحسن يدخل بعضه فى بعض، ثم قال: حسبك. ويقال إن رجلا رأى الفرزدق بعد موته فى منامه، فقال له ما فعل بك ربّك؟ فقال: عفا عنى بتلك الأبيات.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع