من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيب ﵇: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا؛.
فقال: أليس هذا تصريحا منه بأنّ الله تعالى يجوز أن يشاء الكفر والقبيح؛ لأن ملّة/ قومه كانت كفرا وضلالا، وقد أخبر أنّه لا يعود فيها إلّا أن يشاء الله؟
الجواب، قيل له فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون الملّة التى عناها الله إنما هى العبادات الشرعيات؛ التى كان قوم شعيب متمسكين بها؛ وهى منسوخة عنهم، ولم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات فى الله وصفاته؛ مما لا يجوز أن تختلف العبادة فيه، والشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة؛ من حيث تبعت المصالح والألطاف والمعلوم من أحوال المكلّفين؛ فكأنّه قال: إنّ ملتكم لا نعود فيها؛ مع علمنا بأنّ الله تعالى قد نسخها وأزال حكمها، إلّا أن يشاء الله أن يتعبّدنا بمثلها فنعود إليها؛ وتلك الأفعال التى كانوا متمسّكين بها؛ مع نسخها عنهم ونهيهم عنها- وإن كانت ضلالا وكفرا- فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون إيمانا وهدى؛ بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك؛ وليس تجرى هذه الأفعال مجرى الجهل بالله تعالى، الّذي لا يجوز أن يكون إلّا قبيحا.
وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم الله تعالى بتلك الملّة مع قوله: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها؟
فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل وجه؛ وإنما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيّا عنها؛ والّذي علّقه بمشيئة الله تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها، ويتعبّد بمثلها، والجواب مستقيم لا خلل فيه.
وثانيها أنّه أراد أنّ ذلك لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة الله تعالى لمّا كان معلوما أنّه لا يشاؤه؛ وكلّ أمر علّق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه؛ وتجرى الآية مجرى قوله تعالى: لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ وكما يقول القائل: أنا لا أفعل كذا حتى يبيضّ القار؛ أو يشيب الغراب؛ وكما قال الشاعر:
وحتّى يئوب القارظان كلاهماوينشر فى القتلى كليب لوائل
والقارظان لا يئوبان أبدا، وكليب لا ينشر أبدا؛ فكأنه قال: إنّ هذا لا يكون أبدا.
وثالثها/ ما ذكره قطرب بن المستنير من أنّ فى الكلام تقديما وتأخيرا، وأنّ الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب؛ فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا؛، إلّا أن يشاء الله أن تعود فى ملّتنا؛ ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها على كل حال.
ورابعها أن تعود الهاء التى فى قوله: فِيها إلى القرية لا إلى الملّة؛ لأن ذكر القرية قد تقدّم كما تقدم ذكر الملّة؛ ويكون تلخيص الكلام: إنّا سنخرج من قريتكم، ولا نعود فيها إلّا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد فى الإظهار عليكم، والظّفر بكم، فنعود إليها.
وخامسها أن يكون المعنى: إلّا أن يشاء الله أن يردّكم إلى الحق، فنكون جميعا على
ملة واحدة غير مختلفة؛ لأنّه لما قال تعالى حاكيا عنهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا كان معناه: أو لنكوننّ على ملة واحدة غير مختلفة، فحسن أن يقول من بعد: إلّا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة.
فإن قيل: الاستثناء بالمشيئة إنما كان بعد قوله: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها؛ فكأنه قال: ليس نعود فيها إلّا أن يشاء الله، فكيف يصحّ هذا الجواب؟
قلنا: هو كذلك؛ إلّا أنه لمّا كان معنى أَنْ نَعُودَ فِيها، هو أن تصير ملتنا واحدة غير مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن نتّفق فى الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق.
فإن قيل: فكأنّ الله تعالى ما شاء أن يرجع الكفار إلى الحق!
قلنا: بلى قد شاء ذلك، إلّا أنه ما شاءه على كل حال، بل من وجه دون وجه، وهو أن يؤمنوا ويصيروا إلى الحق مختارين؛ ليستحقّوا الثواب الّذي أجرى بالتكليف إليه، ولو شاءه على كل حال لما جاز ألّا يقع منهم؛ فكأن شعيبا ﵇ قال: إن ملّتنا لا تكون واحدة أبدا؛ إلا أن يشاء الله أن يلجئكم إلى الاجتماع معنا على ديننا وموافقتنا فى ملتنا؛ والفائدة فى ذلك واضحة؛ لأنه لو أطلق أنّا لا نتفق أبدا، ولا تصير ملتنا واحدة لتوهّم متوهّم أنّ ذلك مما لا يمكن على حال من الأحوال؛ فأفاد بتعليقه له بالمشيئة هذا الوجه؛ ويجرى قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ مجرى قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً؛.
وسادسها أن يكون المعنى: إلّا أن يشاء الله أن يمكّنكم من إكراهنا، ويخلّى بينكم وبينه، فنعود إلى إظهارها
مكرهين؛ ويقوّى هذا الوجه قوله تعالى: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؛.
وسابعها أن يكون المعنى إلّا أن يشاء الله أن يتعبّدنا بإظهار ملّتكم مع الإكراه؛ لأنّ إظهار كلمة الكفر قد تحسن فى بعض الأحوال إذا تعبّد الله تعالى بإظهارها؛ وقوله:
أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ يقوّى هذا الوجه أيضا.
فإن قيل: فكيف يجوز من نبىّ من أنبياء الله تعالى أن يتعبّد بإظهار الكفر وخلاف ما جاء به من الشّرع؟
قلنا: يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه؛ فكأنه قال: وما يكون لى ولا لأمّتى أن نعود فيها إلّا أن يشاء الله أن يتعبّد أمتى بإظهار ملّتكم على سبيل الإكراه؛ وهذا جائز غير ممتنع.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع