تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [: «خير الصّدقة ما أبقت غنى»]

روى أبو هريرة عن النبىّ صلى الله عليه وآله أنه قال: «خير الصّدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».

وقد قيل فى قوله: «خير الصّدقة ما أبقت غنى»: قولان:

أحدهما أنّ خير ما تصدّقت به ما فضل عن قوت عيالك وكفايتهم، فإذا خرجت صدقتك عنك إلى من أعطيت خرجت عن استغناء منك ومن عيالك عنها؛ ومثله فى الحديث الآخر: «إنما الصّدقة عن ظهر غنى». وقال ابن عباس رحمة الله عليه فى قوله تعالى:

وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ؛؛ قال: ما فضل عن أهلك.

والجواب الآخر، أن يكون أراد: خير الصّدقة ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة، أى تجزل له فى العطيّة، فيستغنى بها ويكفّ عن المسألة؛ وذلك مثل أن يريد الرجل أن يتصدق بمائة درهم، فيدفعها إلى رجل واحد محتاج، فيستغنى بها ويكفّ عن المسألة، فذلك أفضل من أن يدفعها إلى مائة رجل لا تبين عليهم.

والتأويل الأوّل يشهد له آخر الخبر وهو قوله: «وابدأ بمن تعول»، ويشهد له الحديث الآخر أيضا: «إنّما الصدقة عن ظهر غنى».

وقوله: «اليد العليا خير من اليد السّفلى»، قال قوم: يريد أنّ اليد المعطية خير من الآخذة، وقال آخرون: إنّ العليا هى الآخذة، والسفلى هى المعطية.

وقال ابن قتيبة: ولا أرى هؤلاء إلّا قوما استطابوا السؤال؛ فهم يحتجّون للدناءة؛ ولو كان هذا يجوز لقيل: إن المولى من فوق هو الّذي أعتق، والمولى من أسفل هو الّذي أعتق، والناس إنّما يعلون بالعطايا لا بالسؤال.

قال سيدنا أدام الله علوّه: وعندى أن معنى قوله ﵇: «اليد العليا خير من اليد السّفلى» غير ما ذكر من الوجهين جميعا؛ وهو أن تكون اليد هاهنا هى العطية والنعمة؛ لأنّ النعمة قد تسمّى يدا فى مذهب أهل اللسان بغير شكّ؛ فكأنه صلى الله عليه وآله أراد أنّ العطية الجزيلة خير من العطية القليلة. وهذا حث منه صلى الله عليه وآله على المكارم، وتحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام وأحسنه مخرجا.

ويشهد لهذا التأويل أحد التأويلين المتقدمين فى قوله: «ما أبقت غنى»، وهذا أشبه وأولى من أن تحمل اليد على الجارحة؛ لأنّ من ذهب إلى ذلك وجعل المعطية خيرا من الآخذة لا يستمرّ قوله؛ لأنّ فيمن يأخذ من هو خير عند الله تعالى ممّن يعطى؛ ولفظة «خير» لا تحمل إلّا على الفضل فى الدين واستحقاق الثواب؛ فأمّا من جعل الآخذة خيرا من المعطية فيدخل عليه هذا الطعن أيضا؛ مع أنّه قد قال قولا شنعا، وعكس الأمر على ما ذكر ابن قتيبة.

فإن قيل: كيف يصحّ تأويلكم مع قوله ﵇: «خير الصّدقة ما أبقت غنى» وهى لا تبقى غنى إلّا بعد أن تنقص من غيرها؟ وإذا كانت العطية التى هى أجزل

أفضل فتلك لا تبقى غنى، والتى تبقى غنى ليست الجزيلة، وهذا تناقض.

قلنا: أما تأويلنا فمطابق للوجهين المذكورين فى قوله: «ما بقّت غنى»؛ لأنّ من تأوّل ذلك على أنّ المراد بها المعطى، وأنّ خير العطية ما أغنته عن المسألة فالمطابقة ظاهرة، ومن تأوّله على الوجه الآخر، وحمل ما أبقى الغنى على المعطى وأهله وأقاربه؛ فتأويلنا أيضا مطابق له، لأنه قد يكون فى العطايا التى يبقى بعدها الغنى على الأهل والأقارب جزيل وغير جزيل، فقال ﵇: «خير الصدقة ما بقّت غنى» بعد إخراجها؛ والعطية الجزيلة التى تبقى بعدها غنى خير من القليلة، فمدح ﵇ بعد إبقاء الغنى جزيل العطية، وحثّ على الكرم والفضل.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٢٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.