من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل [قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
:]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؛، حاكيا عن يوسف ﵇.
فقال: لم خصّ «اليوم» بالقول، وإنما أراد العفو عنهم فى جميع مستقبل أوقاتهم؟
الجواب، قلنا: فى هذه الآية وجوه أربعة:
أولها أنه لما كان هذا الوقت الّذي أشار إليه هو أوّل أوقاته التى كشف فيها نفسه، وأطلعهم على ما كان يستره عنهم من أمره؛ أشار إلى الوقت الّذي لو أراد الانتقام لابتدأ به فيه؛ والّذي متى عفا فيه عنهم لم يراجع الانتقام.
وثانيها أنّ يوسف ﵇ لما قدّم توبيخهم، وعدّد عليهم قبيح ما فعلوه، وعظيم ما ارتكبوه؛ وهو مع ذلك يستر عليهم نفسه، ولا يفصح لهم بحاله قال لهم عند تبين أمرهم: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ؛ أى قد انقطع عنكم توبيخى، ومضى عذلى ولائمتى عند اعترافكم بالذنب، وكان ذكر «اليوم» دلالة على انقطاع المعاقبة والتوبيخ؛ وعلى أنّ الأوقات المتصلة باليوم تجرى مجراه فى زوال الغضب، وتمام العفو، وسقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم.
وثالثها أنّ ذكر «اليوم» المراد به الزمان والحين، فوضع «اليوم» موضع الزّمان كلّه، المشتمل على الليالى والأيام والشهور والسنين؛ كما يقول العربى لغيره: قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم قد وفّقت لتركها ومقتها؛ يريد فى هذا الزمان، ولا يريد يوما واحدا بعينه؛ ومثله:
قد كنت تقصّر فى الجواب عن فنون العلم فاليوم ما تعجزك مسألة، ولا تتوقّف عن مشكلة؛ يريد باليوم باقى الزمان كله، وقال امرؤ القيس:
حلّت لى الخمر وكنت امرأعن شربها فى شغل شاغل
فاليوم فاشرب غير مستحقبإثما من الله ولا واغل
لم يقصد يوما بعينه؛ ومثله:
/ اليوم يرحمنا من كان يغبطناواليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
وقال لبيد:
وما النّاس إلّا كالدّيار وأهلهابها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع
كل ذلك لا يراد بذكر اليوم أو الغد فيه إلا جميع الأوقات المستقبلة.
ورابعها أن يكون المراد: لا تثريب عليكم البتّة، ثم قال: الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ؛ فتعلّق «اليوم» بالغفران، وكان المعنى غفر الله لكم اليوم.
وقد ضعّف قوم هذا الجواب من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله.
فأما التثريب فإن أبا عبيدة قال: معناه لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد.
وقال الشاعر:
فعفوت عنهم عفو غير مثرّبوتركتهم لعقاب يوم سرمد
وقال أبو العباس ثعلب: يقال: ثرّب فلان على فلان إذا عدّد عليه ذنوبه. وقال بعضهم:
التثريب مأخوذ من لفظ الثّرب، وهو شحم الجوف، فكأنّه موضوع للمبالغة فى اللوم والتعنيف والتقصّى إلى أبعد غايتهما.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع