تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [: تأويل ما ورد فى حديث نهى النبي ﵇ عن كسب الزمارة]

روى أبو عبيد القاسم بن سلّام عن حجّاج عن حماد بن سلمة عن هشام بن حسان، وحبيب بن الشّهيد عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن كسب الزّمّارة.

وقال أبو عبيد: قال حجّاج: الزّمّارة الزانية، وقال: هذا مثل حديثه الآخر أنه نهى عن كسب البغىّ.

وقال أبو عبيد: وقال غير حجّاج: هى الرّمازة، بتقديم الراء، قال: وقول حجّاج أثبت عندنا؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على البغاء، فأنزل الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً؛ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، قال: فالعرض هو كسب البغىّ الّذي نهى النبي صلى الله عليه وآله عنه.

قال أبو عبيد: ولا أعلم ممّ أخذت «الزّمارة»؛ غير أنى وجدتها مفسّرة فى الحديث.

وقال ابن قتيبة: الأمر على ما ذكر أبو عبيد، إلا ما أنكره على من زعم أنها الرّمازة؛ لأن الرّمازة هى الفاجرة، سميّت بذلك لأنها ترمز، أى تومئ بعينيها وحاجبيها وشفتيها.

قال الفرّاء: وأكثر الرّمز بالشّفتين، ومنه قوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، فالرّمازة صفة من صفات الفاجرة، ثم صار اسما لها أو كالاسم؛ ولذلك قيل لها: هلوك؛ لأنها تتهالك على الفراش، أو على الرجل، ثم صار اسما لها دون غيرها من النساء، وإن تهالكت على زوجها، وقيل لها خريع،

للينها وتثنّيها، ثم صار ذلك اسما لها دون غيرها من النساء؛ وإن لانت وتثنّت؛ ونحوه قولهم للبعير: أعلم؛ للشّقّ فى مشفره الأعلى ثم صار كالاسم له؛ وكذلك قولهم للذئب: أزلّ أرسح، ثم صار كالاسم له، والمريبة لا تكاد تعلن بالكلام، إنما تومض أو ترمز أو تصفر، قال الشاعر:

رمزت إلى مخافة من بعلهامن غير أن يبدو هناك كلامها

وقال الأخطل:

أحاديث سدّاها ابن حدراء فرقدورمّازة مالت لمن يستميلها
للشاعر الأخطل، من قصيدة «دنا البين من أروى فزالت حمولها»

وقال الراجز:

يومئن بالأعين والحواجبإيماض برق فى عماء ناضب

- والعماء: السحاب، والناضب: البعيد-

وقال بعضهم: إنما قيل للفاجرة قحبة، من القحاب وهو السّعال؛ قال: وأحسبه أراد أنها تتنحنح أو تسعل ترمز بذلك.

قال: وبلغنى عن المفضّل أنه كان يقول فى قول الناس: «أجبن من صافر» أنه الرجل يصفر للفاجرة، فهو يخاف كل شيء.

وأما الأصمعىّ فإنه كان يقول: الصافر ما يصفر من الطير، وإنما وصف بالجبن لأنه ليس من الجوارح.

قال ابن قتيبة: ولا أرى القول إلا قول المفضّل، والدليل على ذلك قول الكميت بن زيد الأسدىّ:

أرجو لكم أن تكونوا فى إخائكمكلبا كورهاء تقلى كلّ صفّار
لمّا أجابت صفيرا كان آيتهامن قابس شيّط الوجعاء بالنّار

وهذه امرأة كان يصفر لها رجل فتجيبه، فتمثّل زوجها به وصفر لها، فأتته فشيّطها بميسم، فلما أعاد الصّفر قالت: «قد قلينا كلّ صفّار»، تريد أنا قد عففنا واطّرحنا كلّ فاجر.

قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ: والاختيار عندى: «الزّمارة» معجمة الزاى على ما قال أبو عبيد، لحجج ثلاث:

/ إحداهنّ إجماع أهل الحديث على الزّمارة.

والحجة الثانية أن الفاجرة سميت زمارة، لأنها تحسّن نفسها وكلامها، والزمر عند العرب الحسن، قال عمرو بن أحمر الباهلىّ يصف شرابا وغناء:

دنّان حنّانان بينهمارجل أجشّ غناؤه زمر

قال الأصمعىّ: معناه غناؤه حسن؛ كأنه من مزامير داود.

والحجة الثالثة أنهم سمّوا الفاجرة زمّارة، لمهانتها وقلة ما فيها من الخير؛ من قول العرب:

نعجة زمرة؛ إذا كانت قليلة الصوف، ويقال: رجل زمر المروءة، إذا كان قليلها، قال ابن أحمر:

مطلنفئا لون الحصى لونهيحجز عنه الذّرّ ريش زمر

المطلنفئ: اللاصق بالأرض، والذرّ: النمل، والزّمر: القليل، فسمّى البغىّ زمّارة، على وجه الذم لها والتصغير لشأنها؛ كما قيل لها: فاجرة لميلها عن القصد، يقال: فجر الرجل إذا مال، قال لبيد:

فإن تتقدّم تغش منها مقدّماغليظا، وإن أخّرت فالكفل فاجر

أى مائل، والكفل: كساء يوضع على ظهر البعير يوقّى من العرق.

قال سيدنا أدام الله علوّه: ولا أرى لإحدى الروايتين على الأخرى رجحانا؛ لأنّ كلّ واحدة منهما قد أتت من جهة من يسكن إلى قوله، ولكلّ منهما مخرج فى اللغة، وتأويل يرجع إلى معنى واحد؛ لأن الرّمازة، بالراء غير معجمة يرجع معناها على ما ذكر ابن قتيبة إلى معنى الفجور، ومن رواها بالزاى المعجمة فالمرجع فى معناها إلى ذلك أيضا على الوجهين اللذين ذكرهما ابن الأنبارىّ، والأولى أن يثبتا متساويين، ويكون الراوى مخيّرا فيهما.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٣٢)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.