تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل آية [: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً

]

إن سأل سائل عن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ؛.

فقال: إذا كان الشجر ليس ببعض للماء كما كان الشراب بعضا له؛ فكيف جاز أن يقول:

وَمِنْهُ شَجَرٌ بعد قوله: مِنْهُ شَرابٌ؟ وما معنى تُسِيمُونَ؟ وهل الفائدة فى هذه اللفظة هى الفائدة فى قوله: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ؛، وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ؟.

الجواب، قلنا فى قوله تعالى: وَمِنْهُ شَجَرٌ وجهان:

أحدهما أن يكون المراد منه سقى شجر، وشرب شجر؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه؛ وذلك كثير

فى لغة العرب، ومثله قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ، أى حبّ العجل.

والوجه الآخر أن يكون المراد: ومن جهة الماء شجر، ومن سقيه وإنباته شجر؛ فخذف الأول وخلفه الثانى؛ كما قال عوف بن الخرع:

أمن آل ليلى عرفت الدّيارابجنب الشّقيق خلاء قفارا

أراد: من ناحية آل ليلى.

وقال زهير:

/ أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّمبحومانة الدّرّاج فالمتثلّم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

أراد: من ناحية أم أوفى.

وقال أبو ذؤيب:

أمنك البرق أرقبه فهاجافبتّ إخاله دهما خلاجا
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمنك البرق أرقبه فهاجا»

وقال أيضا:

أمنك برق أبيت اللّيل أرقبهكأنّه فى عراض الشّام مصباح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أصبح من أم عمرو بطن مر فأج»

وقال الجعدىّ:

لمن الدّيار عفون بالتّهطالبقيت على حجج خلون طوال
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الديار عفون بالتهطال»

أراد بقيت على مرّ حجج، وتكرار حجج.

فأما قوله تعالى: فِيهِ تُسِيمُونَ فمعناه ترعون، وترسلون أنعامكم؛ يقال: أسام الإبل يسيمنا أسامة؛ إذا أرعاها وأطلقها فرعت منصرفة حيث شاءت؛ وسوّمها أيضا يسوّمها من ذلك؛ وسامت هى إذا رعت؛ فهى تسوم، وهى إبل سائمة؛ ويقال: سمتها إذا قصرتها على مرعى بعينه؛ وسمتها الخسف؛ إذا تركتها على غير مرعى؛ ومنه قيل لمن أذلّ واهتضم:

سيم فلان الخسف؛ وسيم خطّة الضّيم؛ قال الكميت بن زيد فى الإسامة التى هى الإطلاق فى الرّعى:

راعيا كان مسجحا ففقدناهـ وفقد المسيم هلك السّوام
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «من لقلب متيم مستهام»

وقال آخر:

وأسكن ما سكنت ببطن وادوأظعن إن ظعنت فلا أسيم

وذهب قوم إلى أنّ السّوم فى البيع من هذا؛ لأن كل واحد من المتبايعين يذهب فيما يبيعه من زيادة ثمن أو نقصانه إلى ما يهواه، كما تذهب سوائم المواشى حيث شاءت.

وقد جاء فى الحديث: «لا سوم قبل طلوع الشّمس» فحمله قوم على أن الإبل وغيرها لا تسام قبل طلوع الشّمس؛ لئلا تنتشر وتفوت الراعى ويخفى عليه مقاصدها.

وحمله آخرون على أنّ السوم قبل طلوع الشّمس فى البيوع مكروه، لأن السّلعة المبيعة تستتر عيوبها أو بعضها، فيدخل ذلك/ فى بيوع الغرر المنهىّ عنها.

فأما الخيل المسوّمة، فقد قيل: إنها المعلمة بعلامات؛ مأخوذ من السّيماء وهى العلامة.

وروى عن الحسن البصرىّ فى قوله تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قال: سوّم نواصيها وأذنابها بالصوف.

وقيل أيضا: إن المسوّمة هى الحسان.

وروى عن مجاهد فى قوله تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قال: هى المطهّمة الحسان.

وقال آخرون: بل هى الراعية؛ روى ذلك عن سعيد بن جبير؛ وكلّ يرجع إلى أصل واحد، وهو معنى العلامة، لأن تحسين الخيل يجرى مجرى العلامة فيها؛ التى تعرف بها وتتميز لمكانها؛ وقد قيل: إن السّوم من الرّعى يرجع إلى هذا المعنى أيضا، لأن الراعى يجعل فى المواضع التى يرعاها علامات أو كالعلامات بما يزيله من نباتها، ويمحوه من آثارها؛ فكأن الأصل فى الكلّ متفق غير مختلف.

وقال لبيد فى التسويم الّذي هو التعليم:

وغداة قاع القرنتين أتينهمرهوا يلوح خلالها التسويم
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «طلل لخولة بالرسيس قديم»

أراد التعليم.

وأما قوله فى الملائكة: مُسَوِّمِينَ؛ فالمراد به المعلمين، وكذلك قوله تعالى: حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً أى معلمة؛ وقيل: إنه كان عليها كأمثال الخواتيم.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٥)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.