تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

طائفة من أشعار البحترىّ فى ذم الشيب والتألم من فقد الشباب

قال سيدنا أدام الله علوّه: ونعود إلى ما كنا وعدنا به من ذكر ما للبحترىّ فى ذمّ الشيب والتألم من فقد الشباب؛ فمن ذلك قوله:

وكنت أرجّى فى الشّباب شفاعةفكيف لباغى حاجة بشفيعه
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه»
مشيب كنثّ السّرّ عىّ بحملهمحدّثه، أو ضاق صدر مذيعه
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه»
تلاحق حتّى كاد يأتى بطيئهلحثّ اللّيالى قبل أتى سريعه
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه»

وما أحسن هذا من كلام! وأبلغه وأطبعه!

وقال أيضا:

ردّى عليّ الصّبا إن كنت فاعلةإنّ الصّبا ليس من شأنى ولا أربى
للشاعر البحتري، من قصيدة «إليك ما أنا من لهو ولا طرب»
جاوزت حدّ الشّباب النّضر ملتفتاإلى بنات الصّبا يركضن فى طلبى
للشاعر البحتري، من قصيدة «إليك ما أنا من لهو ولا طرب»
/ والشّيب مهرب من جارى منيّتهولا نجاء له من ذلك الهرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «إليك ما أنا من لهو ولا طرب»
والمرء لو كانت الشّعرى له وطناصبّت عليه صروف الدّهر من كثب

وقال أيضا:

لابس من شبيبة أم ناضومليح من شيبة أم راضى
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابس من شبيبة أم ناض»
وإذا ما امتعضت من ولع الشّيب برأسى لم يثن ذاك امتعاضى
ليس يرضى عن الزّمان مروّفيه إلّا عن غفلة أو تغاض
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابس من شبيبة أم ناض»
والبواقى من اللّيالى وإن خالفن شيئا فمشبهات المواضى
ناكرت لمّتى وناكرت منهاسوء هذى الأبدال والأعواض
شعرات أقصّهنّ ويرجعن رجوع السّهام فى الأغراض
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابس من شبيبة أم ناض»
وأبت تركى الغديّات والآصال حتّى خضبت بالمقراض
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابس من شبيبة أم ناض»
غير نفع إلّا التّعلّل من شخص عدوّ لم يعده إبغاضى
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابس من شبيبة أم ناض»
ورواء المشيب كالبخص فى عينى فقل فيه فى العيون المراض
طبت نفسا عن الشّباب وما سوّد من صبغ برده الفضفاض
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابس من شبيبة أم ناض»
فهل الحادثات يا ابن عويفتاركاتى ولبس هذا البياض!
للشاعر البحتري، من قصيدة «لابِسٌ مِنْ شَبِيبَةٍ أمْ نَاضِ»

وقال أيضا:

تعيب الغانيات عليّ شيبىومن لى أن أمتّع بالمعيب!
ووجدى بالشّباب وإن تولّىحميدا دون وجدى بالمشيب
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمنك تأوب الطيف الطروب»

وقال أيضا:

أرأيته من بعد جثل فاحمجون المفارق بالنّهار خضيبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «حاشاك من ذكر ثنته كئيبا»
فعجبت من حالين خالف فيهماصرف الزّمان وما رأيت عجيبا
/ إنّ الزّمان إذا تتابع خطوهسبق الطّلوب وأدرك المطلوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «حاشاك من ذكر ثنته كئيبا»

وقال أيضا:

رأت فلتات الشّيب فابتسمت لهاوقالت: نجوم لو طلعن بأسعد
للشاعر البحتري، من قصيدة «لعمر المغاني يوم صحراء أربد»
أعاتك ما كان الشّباب مقرّبىإليك، فألحى الشّيب إذ كان مبعدى
للشاعر البحتري، من قصيدة «لعمر المغاني يوم صحراء أربد»

وقال أيضا:

عنت كبدى قسوة منك ما إنتزال تجدّد فيها ندوبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لوت بالسلام بنانا خضيبا»
وحمّلت عندك ذنب المشيب حتى كأنى ابتدعت المشيبا
للشاعر البحتري، من قصيدة «لَوَتْ بالسّلامِ بَنَاناً خَضِيبا»
ومن يطّلع شرف الأربعينيحى من الشّيب شخصا غريبا

قال المرتضى رضى الله عنه: ولي فى هذا المعنى:

قلن لمّا رأين وخطا من الشّيب برأسى أعيا على مجهودى
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «قد هويناه ناقضا للعهود»
كسنا بارق تعرّض وهنافى حواشى بعض اللّيالى السّود
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «قد هويناه ناقضا للعهود»
أبياض مجدّد من سوادكان قدما! لا مرحبا بالجديد
يا لحاكنّ من رماكنّ بالحسن لتقهرننا بغير جنود
للشاعر الشريف المرتضى، من قصيدة «قد هويناه ناقضا للعهود»
ليس بيضى منى فأجزى عليهنّ صدودا أو ليس فيكنّ سودى
قلّ ما ضرّ كنّ من شعراتكنّ يوما على الوقار شهودى

وقال البحتري أيضا:

خلّياه وجدّة اللهو مادام رداء الشّباب غضّا جديدا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»
إنّ أيّامه من البيض بيضما رأين المفارق السّود سودا
للشاعر البحتري، من قصيدة «إنما الغي أن يكون رشيدا»

وقال أيضا:

ترك السّواد للابسيه وبيّضاونضا من السّتين عنه ما نضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
وشآه أغيد فى تصرّف لحظهمرض أعلّ به القلوب وأمرضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»
وكأنّه وجد الصّبا وجديدهدينا دنا ميقاته أن يقتضي
أسيان أثرى من جوى وصبابةوأساف من وصل الحسان وأنفضا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ترك السواد للابسيه وبيضا»

وقال أيضا:

هل أنت صارف شيبة إن غلّستفى الوقت أو عجلت عن الميعاد
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»
جاءت مقدّمة أمام طوالعهذى تراوحنى وتلك تغادى
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»
وأخو الغبينة تاجر فى لمّةيشرى جديد بياضها بسواد
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»
لا تكذبنّ فما الصبا بمخلّفلهوا ولا زمن الصّبا بمعاد
وأرى الشّباب على غضارة حسنهوكماله عددا من الأعداد
للشاعر البحتري، من قصيدة «حقا أقول لقد تبلت فؤادي»

/ وقال أيضا:

أيثنّى الشّباب أم ما تولّىمنه فى الدّهر دولة ما تعود
لا أرى العيش والمفارق بيضأسوة العيش والمفارق سود
للشاعر البحتري، من قصيدة «نفست قربها علينا كنود»
وأعدّ الشّقىّ جدّا ولو أعطى غنما حتى يقال سعيد
للشاعر البحتري، من قصيدة «نَفّسَتْ قُرْبَها عَلَيناَ كَنُودُ»
من عدته العيون وانصرفت عنهـ التفاتا إلى سواه الخدود
للشاعر البحتري، من قصيدة «نفست قربها علينا كنود»

وقال أيضا:

قدك منى فما جرى السّقم إلّافى ضلوع على جوى الحبّ تحنى
لو رأت حادث الخضاب لأنّتوأرنّت من احمرار اليرنّا
للشاعر البحتري، من قصيدة «ما تقضى لبانة عند لبنى»
كلف البيض بالمعمّر قدراحين يكلفن والمصغّر سنّا
يتشاغفن بالغرير المسمّىمن تصاب دون الجليل المكنّى

وقال أيضا:

أخىّ إنّ الصّبا استمرّ بهسير الليالى فأنهجت برده
للشاعر البحتري، من قصيدة «رنو ذاك الغزال أو غيده»
تصدّعنى الحسان مبعدةإذ أنا لا قربه ولا صدده
شيب على المفرقين بارضهيكثرنى أن أبينه هدده
للشاعر البحتري، من قصيدة «رنو ذاك الغزال أو غيده»
تطلب منى الشّباب ظالمةبعيد خمسين حين لا تجده
لا عجب إن مللت خلّتنافافتقد الوصل منك مفتقده
للشاعر البحتري، من قصيدة «رنو ذاك الغزال أو غيده»
من يتطاول على مطاولة العيش تقعقع من ملّة عمده

قال سيدنا أدام الله تمكينه: ورأيت الآمدىّ قد أخطأ فى معنى البيت الأخير، لأنه قال: معنى «تقعقع من ملّة عمده» أى عظامه، يجيء لها صوت إذا قام وقعد من كبره وضعفه قال: وقوله: «من ملّة» أى من تملّى العيش؛ يريد طوله ودوامه؛ ومنه تملّيت حبيبك والأمر بخلاف ما توهمه، ومعنى «تقعقع من ملّة عمده» أنّ من تطاول عمره تعجّل ترحّله وانتقاله عن الدنيا؛ وكنى عن ذلك/ بتقعقع العمد؛ وهذا مثل معروف للعرب، يقولون: «من يتجمّع يتقعقع عمده»؛ يريدون أنّ التجمّع داعى التفرق؛ وأنّ الاجتماع يعقب ويورث ما يدعو إلى الانتقال الّذي يتقعقع معه العمد.

والآمدىّ على كثرة ما يدعيه من التنقيب والتنقير على علوم العرب إن كان لم يعرف هذا المثل ومعناه فهو طريف، وإن كان قد سمعه وجهل أنّ معنى بيت البحترىّ يطابقه فهو أطرف.

فأما قوله: «من ملّة» فإنما أراد به من ملل؛ وملّة «فعلة» من الملل، وكيف يكون

من تملّى العيش، ولم يسمع فى تملّيت «ملّة»! وهذا خطأ على خطأ.

وقال البحترىّ:

ما كان شوقى ببدع يوم ذاك ولادمعى بأوّل دمع فى الهوى سفحا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أطاع عاذله في الحب إذ نصحا»
ولمّة كنت مشغوفا بجدّتهافما عفا الشّيب لى عنها ولا صفحا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أطاع عاذله في الحب إذ نصحا»

وقال أيضا:

وما أنس لا أنس عهد الشّبابوعلوة إذ عيّرتنى الكبر
للشاعر البحتري، من قصيدة «تبسم عن واضح ذي أشر»
كواكب شيب علقن الصّبافقلّلن من حسنه ما كثر
للشاعر البحتري، من قصيدة «تبسم عن واضح ذي أشر»
وإنى وجدت ولا تكذبنّسواد الهوى فى بياض الشّعر
ولا بدّ من ترك إحدى اثنتين إمّا الشّباب وإما العمر
للشاعر البحتري، من قصيدة «تبسم عن واضح ذي أشر»

قال الآمدي: وعليه فى قوله:

ولا بدّ من ترك إحدى اثنتين إمّا الشّباب وإما العمر
للشاعر البحتري، من قصيدة «تبسم عن واضح ذي أشر»

معارضة، وهو أن يقال له: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر أيضا، فهو تارك لهما معا، ومن شاب فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة؛ فهو أيضا تارك لهما جميعا.

وقوله: «إما وإمّا» لا نوجب إلا إحداهما قال: والعذر للبحترىّ أن يقال: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب

وحده لأنّه لم يعمّر، فيكون مفارقا للعمر ألا ترى أنهم يقولون:

عمّر فلان إذا أسنّ، وفلان لم يعمّر إذا مات شابا، ومن شاب وعمّر ثم مات لم يكن مفارقا للشباب فى حال موته؛ لأنه قد قطع أيام الشباب، وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون فى حال موته مفارقا للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحترىّ، وهو صحيح/ ولم يرد بالعمر المدّة القصيرة التى يعمّرها الإنسان، وإنما أراد بالعمر هاهنا الكبر، كما قال زهير:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصبتمته، ومن تخطئ يعمّر فيهرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

قال رضى الله عنه: وما رأيت أشدّ تهافتا فى الخطأ منه فيما يفسّره ويتكلم عليه من شعر هذين الرجلين! ومعنى البيت غير ما توهّمه؛ وهو أظهر من أن يخفى؛ حتى يحتاج فيه إلى هذا التّغلغل والتعسّف؛ وإنما أراد البحترىّ أن الإنسان بين حالين: إما أن يفارق الشباب بالشّيب، أو العمر بالموت؛ فمن مات شابا- وإن كان قد خرج من العمر، وخرج بخروجه عن سائر أحوال الحياة من شباب وشيب وغيرهما- فإنه لم يفارق الشباب وحده؛ وإنما فارق العمر الّذي فارق بمفارقته الشباب وغيره. وقسمة الرجل تناولت أحد الأمرين: إمّا مفارقة الشباب وحده بلا واسطة- ولن يكون ذلك إلّا بالشّيب- أو مفارقة العمر بالموت. وتلخيص كلامه: أنه لا بدّ للحي من شيب أو موت، فكأن الشيب والموت متعاقبان؛ والبحترىّ إنما جعل قوله: «العمر» مقام الحياة والبقاء، وإنما قال: «العمر» لأجل القافية؛ مع أنه منبئ عن مراده؛ ولو أنّه قال: ولا بدّ من ترك الحياة أو ترك الشباب لقام مقام قوله: «العمر».

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن عبيد الله قال: من معانى ابن الرومىّ التى فتقها قوله يذمّ من جعل مصيبة غيره منسية له مصيبته، وعاب

من تعلّل بالتأسّى بما نال غيره، وهو يرثى شبابه، وأحسن:

يا شبابى وأين منّى شبابى!آذنتنى أيّامه بانقضاب
لهف نفسى على نعيمى ولهوى!تحت أفنانه اللّدان الرّطاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»
ومعزّ عن الشباب مؤسّبمشيب اللّدات والأصحاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»
قلت لمّا انتحى يعدّ أساهمن مصاب شبابه كمصاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»
ليس تأسو كلوم غيرى كلومىما به ما به، وما بي ما بي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا شبابي وأين مني شبابي»

ولابن الرومىّ:

/ لهفى على الدّنيا وهل لهفةتنصف منها إن تلهّفتها!
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صبرا على أشياء كلفتها أعقبتها الآن وسلفتها»
قبحا لها قبحا على أنهاأقبح شيء حين كشّفتها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صبرا على أشياء كلفتها أعقبتها الآن وسلفتها»
وقد يعزّينى شباب مضىومدّة للعيش أسلفتها
فكّرت فى خمسين عاما مضتكانت أمامى ثم خلّفتها
أجهلتها إذ هى موفورةثم مضت عنّى فعرّفتها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صبرا على أشياء كلفتها أعقبتها الآن وسلفتها»
ففرحة الموهوب أعدمتهاوترحة المسلوب ألحفتها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صبرا على أشياء كلفتها أعقبتها الآن وسلفتها»
لو أنّ عمرى مائة هدّنىتذكّرى أنّى تنصّفتها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «صبرا على أشياء كلفتها أعقبتها الآن وسلفتها»

وله فى هذا المعنى، وقد تقدمت هذه الأبيات فى الأمالى السالفة، وقد أحسن فى معناها كلّ الإحسان:

كفى بسراج الشّيب فى الرأس هادياإلى من أضلّته المنايا لياليا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا»
أمن بعد إبداء المشيب مقاتلىلرامى المنايا تحسبينى ناجيا!
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا»
غدا الدّهر يرمينى فتدنو سهامهلشخصى أخلق أن يصبن سواديا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا»
وكان كرامى اللّيل يرمى ولا يرىفلمّا أضاء الشّيب شخصى رمانيا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كفى بسراج الشيب في الرأس هاديا»

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٤٥)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.