تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

ومن نوادرهم

قيل: إنه أتى سائل داراً يسأل منها فأشرفت عليه امرأة من الغرفة فقال لها: يا أمة الله الله أن تصدّقي عليّ بشيء! قالت: أي شيء تريد؟ قال: درهماً. قالت: ليس. قال: فدانقاً. قالت: ليس. قال: ففلساً. قالت: ليس. قال: فكسوة. قالت: ليس. قال: فكفاً من دقيق. قالت: ليس. قال: فزيت، حتى عد كل شيء يكون في البيوت وهي تقول: ليس. فقال لها: يا زانية فما يجلسك؟ مرّي تصدّقي معي.

قال الأصمعي: وقفت على سائل بالمربد وهو يقول:

قد رهنت القصاع من شهوة الخبز

فقلت له: أتممه. فقال: أتممه أنت. فقلت: فمن لي بمن يفك القصاعا فقال: اضمم إليه بيتاً. فقلت:

ما رهنت القصاع يا قوم حتىخفت والله أن أموت ضياعا

فقال: أنت والله أحوج إلى المسألة وأحق بها مني.

ولأبي فرون الأعرابي السائل:

وصبيةٍ مثل صغار الذرّسود الوجوه كسواد القدر
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة
كلهم ملتزقٌ بصدريحتى إذا لاح عمود الفجر
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة
ولاحت الشمس خرجت أسريأسبقهم إلى أصول الجدر
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة
ألا فتى يحمل عني إصريهذا جميع قصتي وأمري
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة
فاسمع مقالي وتوقّ شريفأنت أنت بغيتي وذخري
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة
كنّيت نفسي كنية في شعريأنا أبو الفقر وأم الفقر
للشاعر أبو فرعون الساسي، اقرأ القصيدة

قال: قال الأصمعي: رأيت سائلاً وقد تعلق بأستار الكعبة من بني تميم وهو يقول:

أيا رب رب الناس والمنّ والهدىأما لي في هذا الأنام قسيم
أما تستحي مني وقد قمت عارياًأناجيك يا ربي وأنت كريم
أترزق أبناء العلوج وقد عصواوتترك قرماً من قروم تميم

قال: ورأيت رجلاً آخر من الأعراب وقد تعلق بأستار الكعبة وهو يقول:

يا رب إني سائلٌ كما ترىمشتملٌ شميلتي كما ترى
وشيختي جالسةٌ فيما ترىوالبطن مني جائعٌ كما ترى

فما ترى يا ربنا فيما ترى

قال: وأتى سائل من الأعراب إلى بني عبد العزيز بن مروان فقال: أتت علينا سنون لم تبق زرعاً حصيداً ولا مالاً تليداً إلااجتاحته بزوبره وأصله وأنتم أئمة أملي وقصد ثقتي. فلم يعطوه شيئاً، فقال:

بنو عبد العزيز إذا أرادواسماحاً لم يلق بهم السماح
لهم عن كل مكرمةٍ حجابٌفقد تركوا المكارم واستراحوا

قال: ومر سائل منهم برجل يكنّى أبا الغمر ضخم عريض وكان بواباً لبعض الملوك فقال له: أعن المسكين الضعيف الفقير المحتاج. فقال: ما ألحف جائعكم وأكثر سائلكم، أراحنا الله منكم! فقال السائل: اسكت فوالله لو فرّق قوت جسمك في عشرة أجسام منا لكفانا طعامك ليوم شهراً، وإنك لنبيه الضرطة لو ذري بها بيدر لكفته الريح، عظيم السلحة لو ضربت لبناءٍ لكفت سوراً.

قال: وقال أعرابي وهو يسأل: رحم الله من أعطى من فضل وآثر من قلة وواسى من كفاف.

قيل: ودخل رجل منهم على هشام بن عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين أتتنا سنون ثلاث، فأما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فأغضت اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وعندك أموال فإن كانت لله جل وعز فبثها في عباد الله، وإن كانت لهم ففيم تحبسها عنهم؟ وإن كانت لك فتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين.

قال: ودخل أزهر السمان على المنصور فشكا إليه الحاجة وسوء الحال، فأمر له بألف درهم وقال: يا أزهر لا تأتنا في حاجة أبداً. قال: أفعل يا أمير المؤمنين. فلما كان بعد قليل عاد فقال له: يا أزهر ما حاجتك؟ قال: جئت لأدعو لأمير المؤمنين. قال: بل أتيتنا لمثل ما أتيت. فأمر له بألف درهم وقال: يا أزهر لا تأتنا ثالثة فلا حاجة لنا في دعائك. قال: نعم، ثم لم يلبث أن عاد، فقال: يا أزهر ما جاء بك؟ قال: دعاء كنت سمعته منك أحب أن آخذه عنك. فقال: لا تردده فإنه غير مستجاب وقد دعوت به الله جل وعز أن يريحني من خلقتك فلم يفعل.

وممن سأل الخلفاء أيضاً ربيعة بن ربيعة، ذكروا أنه دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا أمير المؤمنين زوجني بعض بناتك. فقال: قد شغلناهنّ بأكفائهنّ. قال: فولّني شرطة البصرة. قال: قد ولّيتها من كفانا. قال: فهب لي قطيفة. قال: أما هذا فنعم.

ومنهم أبو دلامة دخل على المنصور فقال: يا أمير المؤمنين تأمر لي بكلب صيد؟ قال: أعطوه. قال: كلب بلا صقر؟ قال: أعطوه صقراً. قال: كلب وصقر بلا بازبان؟ قال: أعطوه غلاماً بازباناً. قال: فلا بد لهم من دار! قال: أعطوه داراً. قال: فمن أي شيء يعيشون؟ قال: قد أقطعتك أربع مائة جريب منها مائتا جريب عامر ومائتان غامر. قال: وما الغامر؟ قال: الخراب. قال: فأنا أقطعتك أربعة آلاف جريب بالدهناء غامرة. قال: فقد جعلتها كلها عامرة فهل بقي لك شيء؟ قال: نعم تدعني أقبل يدك. قال: ليس إلى ذلك سبيل. فقال: ما منعتني شيئاً أهون على عيالي من هذا.

قال: وبعث المنصور إلى زياد بن عبد الله مالاً وأمره أن يفرّقه في القواعد والأيتام والعميان، فدخل إليه أبو حمزة الرقيّ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! قد بلغني الكبر فاكتبني في القاعدين. قال: يغفر الله لك إنما القواعد النساء اللواتي قعدن عن الأزواج. قال: فاكتبني في العميان فإن الله جل ذكره يقول: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وأنا أشهد أن قلبي أعمى، واكتب ولدي في الأيتام فإن من كنت أباه فهو يتيم. قال: اكتبوه في العميان واكتبوا ولده في الأيتام.

قال وقالت أعرابية لحاتم بن عبد الله الطائي: أتيتك من بلاد نائية شاسعة تخفضني خافضة وترفعني رافعة لملمات من الأمور نزلن بي فبرين عظمي وأذهبن لحمي فرتكنني بالجريض قد ضاق بي البلد العريض، لم يتركن لي سبداً ولم يبقين لي لبداً، غاب الوالد وهلك الرافد، وأنا امرأة من هوازن أقبلت في أفناء من العرب أسأل عن المرجو نائله والمحمود سائله والمأمون جانبه، فقيل لي أنت فاصنع بي إحدى ثلاث: إما أن تحسن صفدي، أو تقيم أودي، أو تردني إلى بلدي. فقال: أجمعهن لك وحباً. ففعل بها ذلك كله.

قال: وجاءت أعرابية تسأل فقالت: يا قوم طرائد زمان وفرائس نازلة ولحمان وضمٍ، نبذتنا الرجال وأنشزتنا الحال وأطمعنا السؤال، فهل من مكتسب للأجر أو راغب في الذخر؟ وسأل أعرابي فقال: سنة جردت وحال جهدت وأيدٍ خمدت فرحم الله من رحم وأقرض من لا يظلم.

وسأل أعرابي فقال: أين الوجوه الواضحات الصباح، والعقول الراجحات الصحاح، والصدور الرحاب السماح، والمكارم الثمينة الرباح؟ وسأل أعرابي فقال: رحم الله امرأً لم يمجّ أذنه كلامي وقدم لمعاذة من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة والحال مسغبة والحياء زاجر ينهى عن كلامكم والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم فرحم الله امرأً واسى بمير أو دعا بخير. فقال رجل: ممن يا أعرابي؟ فقال: أخٌ في كتاب الله وجارٌ في بلاد الله وطالب خيرٍ من رزق الله.

وسأل آخر فقال: نقص الكيل وعجفت الخيل وقلّ النيل فهل من رحيم أجره لله فإنه غنى عن الله لقوله جل وعز: " من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً "، لم يستقرض ربنا جل وعز من عدم ولكن ليبلو ويختبر.

وسأل آخر فقال: إني رجل من مدينة رسول الله، عليه وعلى آله السلام، مشيت حتى انتعلت الدم، فرحم الله من حملني على نعلين فكأنما حملني على ناقتين، فلا قليل من الأجر ولا غنى من الله جل وعز. وقيل لسائل أعرابي: أين منزلك؟ قال: ما لي منزل إنما أشتمل الليل إذا عسعس وأظهر بالنهار إذا تنفس.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.