تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)

محاسن مطالبة المعلمين بالتعليم

قال: كان الرشيد جعفر محمداً الأمين في حجر الفضل بن يحيى وعبد الله المأمون في حجر جعفر بن يحيى. فقال الفضل بن يحيى لهيثم بن بشير الواسطي: ليكن أكثر ما تأخذ به وليّ العهد تعظيم الدماء، فإني أحب أن يشرب الله قلبه الهيبة لها والعفاف عن سفكها. ثم إن الرشيد أرسل إلى الأحمر النحوي فلما دخل عليه قال: يا أحمر أن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه وصيّر يدك عليه مبسوطة ومقالتك فيه مصدقة وطاعتك عليه واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وعلمه الآثار والأخبار والسنن وروّه الأشعار وبصّره مواقع الكلام ومره بالرزانة في مجلس والاقتصاد في نظره وسمعه، فلا تمرنّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها وكلمة نافعة يعيها ويحفظها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه وتملّه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه بالتقريب والملاينة، فإن أبى فالشدة.

قال الأحمر: فكنت كثيراً ما أشدد عليه في التأديب وأمنعه الساعات التي يتفرغ فيها للهو واللعب. فشكا ذلك إلى خالصة فأتتني برسالة من أم جعفر تعزم عليّ بالكف عنه وأن أجعل له وقتاً أجمّه فيه لتوديع بدنه. فقلت: الأمير قد عظم قدره وبعد صوته، وموقعه من أمير المؤمنين ومكانه من ولايه العهد لا يحتملان التقصير ولا يقبل منه الخطل ولا يرضى منه بالزلل في المنطق والجهل بشرائع الدين والعمى عن الأمور التي فيها قوام السلطان وإحكام السياسة.

قالت: صدقت غير أنها والدة لا تملك نفسها ولا تقدر على كف إشفاقها وحذرها ومع حذرها أمرٌ إن شئت حدثتك به. فقلت: وما ذاك؟ قات: حدثتني السيدة أنها رأت في الليلة التي حملت فيها به كأن ثلاث نسوة دخلن عليها فقعدت منهنّ ثنتان واحدة عن يمينها وواحدة عن يسارها، فأمرّت إحدى الثلاث يدها على بطنها ثم قالت: ملك ربحلٌ عظيم البذل ثقيل الحمل سريع الأمر. وقالت الثانية: ملك قصير العمر سليم الصدر متهتك الستر. وقالت الثالثة: ملكٌ قصّاف عظيم الإتلاف يسير الخلاف قليل الإنصاف. فانتبهت وأنا فزعةٌ فلم أحس لهن أثراً حتى كانت الليلة التي وضعته فيها أتينني في الخلق الذي رأيتهن فقعدن عند رأسه واطّلعن جميعاً في وجهه ثم قالت واحدة منهن: شجرة نضرة وريحانة جنيّة وروضة زاهره وعين غدقة، قليل لبثها عجل ذهابها. وقالت الثانية: سفيه غارم وطالب للمغارم جسورٌ على المخاصم. وقالت الثالثة: احفروا قبره وشقوا لحده وقربوا أكفانه وأعدوا جهازه فإن موته خير له من حياته. قالت: فبقيت متحيرة وبعثت إلى المنجمين والمعبرين ومن يزجر الطير فكل يبشرني بطول عمره ويعدني بقاءه وسعادته وقلبي يأبى إلا الحذر عليه والتهمة لما رأيت في منامي.

وبكت خالصة وقالت: يا أحمر وهل يدفع الإشفاق والحذر والاحتراق واقع القدر أو يقدر أحدٌ على أن يدفع عن أحبّائه الأجل؟ قلت: صدقت إن القضاء لا يدفعه شيء. ثم كان من أمره ما كان.

ثم اتخذ الرشيد قطرباً النحوي على الأمين، وكان حمّاد عجرد يتعشق الأمين ويطمع فيه أن يتخذه عليه مؤدباً فلم يتهيأ له ذلك لتهتكه وقبيح ذكره في الناس، وقد كان رام ذلك فلم يجب إليه، فلما سمع أن قطرباً قد استوى أمره وأجيب إلى ذلك لستره وعفافه أخذ حماداً المقيم والمقعد حسداً على ما ناله قطرب من ذلك وبلغه من المنزلة الرفيعة والدرجة السنية، فأخذ رقعة وكتب فيها أبياتاً ودفعها إلى بعض الخدم الذين يقومون على رأس الرشيد وجعل له على ذلك جعلاً وسأله أن يودع الرقعة دواة أمير المؤمنين. ففعل فما كان بأسرع من أن دعا الرشيد بالدواة فإذا فيها رقعة فيها هذه الأبيات:

قل للإمام جزاك الله مغفرةًلا يجمع الدهر بين السخل والذيب
السخل غرٌّ وهمُّ الذئب غفلتهوالذئب يعلم ما بالسخل من طيب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قل للأمير جزاك الله صالحة»

فلما قرأ الرشيد الرقعة قال: انظروا أن لا يكون هذا المعلم لوطياً انفوه من الدار. فأخرجوه عن تأديب الأمين واتخذ عليه حماداً، وجعل عليه ثمانين من الرقباء.

قال: ولما وُسم قطرب بهذه السمة القبيحة خاف أن يلحقه بعض ما يكره فهرب إلى الكرج وتوسل إلى أبي دلف ومعقل ببراعة الأدب، فلما عرفا غزارة فنه ووقفا على معرفته اصطفياه لأنفسهما وأحلاه محلاً رفيعاً وقدماه على جميع أهل الأدب وأرغدا له في العطية، فلما رأى قطرب برّهما به وإلطافهما به رغب في المقام بالكرج وأثرى وكثر ماله.

فيقال: إن أصل هذه الآداب التي وقعت بالكرج إلى أبي دلف ومعقل من علم قطرب وتصنيفه الكتب. وإن المأمون سأل أبا دلف: من خلّفت بالجبل منسوباً إلى الأدب؟ قال: ما خلّفت غير قطرب. فقال المأمون: صدقت، إن لقطرب لمحلاً من هذا الشأن.

وعن أبي محمد اليزيدي قال: كنت أؤدب المأمون وهو في حجر سعيد الجوهري، فأتيته يوماً وهو داخل فوجّهت إليه بعض غلمانه يعلمه بموضعي فأبطأ عليّ ثم وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت لسعيد: إن هذا الفتى ربما تأخر وتشاغل بالبطالة. قال: أجل ومع هذا إذا تأخر تعرّم على خدمه ولقوا منه أذىً فقوّمه بالأدب. فلما خرج أمرت بحمله وضربته تسع درر، قال: فإنه ليدلك عينه من أثر البكاء إذ أقبل جعفر بن يحيى فاستأذن وأخذ منديلاً فمسح عينيه وجمع ثيابه وقام إلى فراشه وقعد عليه متربعاً ثم قال: يدخل. فدخل وقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك. فلما همّ بالحركة دعا بدابته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ثم سأل عني فجئت فقال: خذ ما بقي من حزني. فقلت: أيها الأمير لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر ولو فعلت ذلك لتنكر لي. قال: إنا لله، أتراني يا أبا محمد كنت أُطمع الرشيد في هذه فكيف جعفراً أُطلعه على أني أحتاج إلى أدب؟ يغفر الله لك، خذ في أمرك فقد خطر ببالك ما لا تراه أبداً ولو عدت في كل يوم مرة.

وكان لسعيد الجوهري غلام قد لزّ بالمأمون في الكتّاب فكان إذا احتاج المأمون إلى محو لوحه بادر إليه فأخذ اللوح من يده فمحاه وغلب على غلمان المأمون ومسحه وجاء به فوضعه على المنديل في حجره، فلما سار المأمون إلى خراسان وكان من أخيه ما كان خرج إليه غلام سعيد فوقف بالباب حتى جاء أبو محمد اليزيدي فلما رآه عرفه فدخل فأخبر المأمون. فقال له مستبشراً بقدومه: لك البشرى! ثم أذن له فدخل عليه فضحك إليه حين رآه ثم قال: أتذكر وأنت تبادر إلى محو لوحي؟ قال: نعم يا سيدي. فوصله بخمس مائة ألف درهم. ثم اتخذ الرشيد الحسن اللؤلؤي بعد أبي محمد اليزيدي على المأمون، فبينا هو يطارحه شيئاً من الفقه إذ نعس المأمون. فقال له اللؤلؤي: نمت أيها الأمير! فقال المأمون: سوقيّ ورب الكعبة! خذوا بيده. فبلغ الرشيد ما صنع فقال متمثلاً:

وهل ينبت الخطّيَّ إلا وشيجهوتُغرس إلا في منابتها النخل
للشاعر محمد ولد ابن ولد أحميدا، من قصيدة «سبت لبه من بعد كبرته جمل»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والمساوئ»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.