من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
مساوئ الحمقى
قيل في المثل: هو أحمق من عجل، هو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، وذلك أنه قيل له: ما سميت فرسك؟ ففقأ عينه وقال: الأعور، أو قال: سميته أعور. وقال الشاعر فيه وفي قومه:
رمتني بنو عجلٍ بداء أبيهموأي امريءٍ في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جوادهفصارت به الأمثال تضرب في الجهل
ويقال: هو أحمق من هبنقة، وبلغ من حمقه أنه ضلّ له بعير فجعل ينادي: من وجد البعير فهو له. فقيل له: فلم تنشده؟ قال: وأين حلاوة الوجدان! واختصمت إليه بنو الطفاوة وبنو راسب في رجل ادّعى هؤلاء وهؤلاء، فقالت الطفاوة: هذا من عرافتنا. وقالت بنو راسب: هذا من عرافتنا. ثم قالوا: قد رضينا بأول طالع علينا. فطلع عليهم هبنّقة، فلما رأوه قالوا: إنا لله! من طلع علينا؟ فلما دنوا قصّوا عليه قصّتهم فقال هبنقة: الحكم في هذا بيّن، يُذهب به إلى نهر البصرة فيُلقى فيه فإن كان راسبياً رسب وإن كان طفاوياً طفا. فقال الرجل: لا أريد أن أكون من أحد هذين الحيين ولا حاجة لي في الديوان.
وكان هينقة يرعى غنم أهله فيرعى السمان في العشب وينحّي المهازيل عنه. فقيل له: ويحك ما تصنع؟ فقال: أُصلح ما أصلح الله وأُفسد ما أفسد الله. أو قال: لا أفسد ما أصلح ولا أصلح ما أفسد الله. وقال الشاعر:
عش بجدٍّ فلن يضرك نوكٌإنما عيش من ترى بالجدود
عش بجدٍّ وكن هبنّقة العيسيّ نوكاً أو شيبة بن الوليد
رب ذي إربةٍ مقلٍّ من المال وذي عنجهيةٍ مجدود
وكان شيبة من عقلاء العرب.
وقيل أيضاً: هو أحمق من دغة، وهي مارية بنت مغنج تزوجت في بني العنبر وهي صغيرة، فلما أصابها المخاض ظنّت أنها تريد الخلاء فخرجت تبرّز فصاح الولد فجاءت منصرفةً فقالت: يا أمه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم يدعو أباه. فسبّت بنو العنبر بذاك فقالوا لهم بنو الجعراء.
وقيل أيضاً: هو أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها، وهي امرأة أخذها رجل ليفجر بها فقالت: لا أمكنك من نفسي حتى تمهرني. فقال: قد مهرتك إحدى خدمتيك، وهما خلخالاها، فرضيت ومكنّته من نفسها.
وقيل: هو أحمق من جهيزة، وهي عرس الذئب لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع. وقال الكميت:
كما خامرت في حضنها أم عامرٍلذي الحبل حتى عال أوسٌ عيالها
أوس هو الذئب.
وقيل: هو أحمق من نعامة، لأنها تدع الحضن على بيضتها وتحضن بيض نعامة أخرى، وقال ابن هرمة:
فإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفّي زناداً شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراءوملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وقيل: هو أحمق من باقل، وكان اشترى عنزاً بأحد عشر درهما، فقالوا له: بكم اشتريت العنز؟ ففتح كفيه وفرّق أصابعه وأخرج لساناً، يريد أحد عشر درهماً، فعيّروه بذلك. وقيل: إن الذي اشتراه ظبي، فلما فتح أصابعه أفلت الظبي. وقالوا في باقل:
يلومون في حمقه باقلاًكأن الحماقة لم تُخلق
ولا تكثروا العذل في عيّهفللعيّ أجمل بالأموق
خروج اللسان وفتح البنانأحب إلينا من المنطق
قيل: وقدم وفد من العراق على سليمان بن عبد الملك فقضوا حوائجهم وانصرفوا. فقال رجل منهم: بلغني أن أمير المؤمنين يبرز للعامة فأنا أقيم بعدكم يوماً أو يومين فلعلي أن أراه وأسمع كلامه ثم أتبعكم. فلما كان في الغد برز سليمان للناس وجلس على سريره وأذن للعامة فدخلوا وفيهم العراقي. فجلس في سماط سليمان إلى جنب رجل أحمق من أهل الشأم. فقال له الأحمق: ممن الرجل؟ قال: أنا من أهل العراق. وقال: فعل الله بك وفعل، وجعل يشتمه ويذكر أباه وعرضه، وقال: مثلك يقعد في سماط أمير المؤمنين! والعراقيّ يناشده الله ويسأله أن يكفّ عنه فيأبى، إلى أن قال سليمان: أيكم يخبرني من الذي يقول:
أنخن القرون فعقّلْنَهاكعطف العسيب عراجين ميلا
ويفسّر لنا قوله فله جارية برحالتها؟ والشامي مقبل على العراقي لا يفتر عن شتمه ويقول: يا جاسوس. فقال له: كفّ عني فإني أنفعك. قال: وهل معك خير؟ قال: نعم، قم فقل لأمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره، فإذا قال: من قاله؟ فقل: امرؤ القيس، فإذا قال: ما عنى به؟ فقل: البطيخ. فقال الشاميّ: يا أمير المؤمنين أنا أعرف من قال هذا وأفسره. فقال: هات. قال: امرؤ القيس. فتبسم سليمان وقال: فما عنى به؟ قال: البطيخ. فضحك سليمان حتى استلقى على فراشه ثم قال: ويحك عمن أخذت هذا العلم؟ فقال: عن هذا العراقي. فأشار سليمان إلى العراقي فأقبل إليه، فقال له: من أنت؟ قال: رجل من أهل العراق كنت قدمت مع فلان وفلان فقضوا حوائجهم وانصرفوا فأقمت أرقب جلوس أمير المؤمنين فقعدت إلى هذا الشاميّ فلم يدع سباً ولا شتماً إلا استقبلني به. فقلت له كفّ عني فإني أنفعك، قل لأمير المؤمنين كذا وكذا، فكان منه ما قد سمعته. فضحك وقال: أتعرف أنت من قاله؟ قلت: كثيّر عزة. قال: وما عنى به؟ قلت: قرون الرأس، والعسيب الخادم، والعراجين قد اختلفوا فيه فقال بعضهم عناقيد الكرم وقال بعضهم عراجين النخل. فأمر له بجائزة سنيّة وقال له: الحق بأصحابك.
وحكي عن أبي عباد الكاتب أنه قال: كنت يوماً عند المأمون فدعا بالغداء وكان يستنزل من قام من مجلسه عند ذكر الطعام ويقول: هذا من أخلاق اللئام، فقدّموا إليه بطيخاً على أطباق جدد فجعل يقوّر بيده ويذوق البطيخة فإذا حمد حلاوتها قال: ادفع هذه بسكينتها إلى فلان. فقال لي وقد دفع إلي بطيخة كانت أحلى من الشهد المذاب: يا أبا عباد بم تستدل على حمق الرجل؟ قلت: يا أمير المؤمنين أما عند الله فعلامات كثيرة وأما عندي فإذا رأيت الرجل يحب الشاهلوج ويبغض البطيخ علمت أنه أحمق. قال: وهل تعرف صاحب هذه الصفة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين الرستمي أحد من هذه صفته. قال: فدخل الرستمي على أمير المؤمنين، فقال له المأمون: ما تقول في البطيخ الرمشيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين يفسد المعدة ويلطخها ويُرقّها، يرخي العصب ويرفع البخار إلى الرأس. قال: لم أسألك عن فعله إنما سألتك أشهي هو؟ قال: لا. قال: فما تقول في الشاهلوج؟ قال: سماه كسرى سيد أجناسه. قال: فالتفت المأمون إليّ وقال: الرجل الذي كنا في حديثه أمس من تلامذة كسرى في الحمق.
قال: ودخل أبو طالب صاحب الطعام على المأمون وكان أحمق فقال: كان أبوك يا أبا خيراً لنا منك وأنت يا أبا ليس تعدنا ولا تبعث إلينا ونحن يا أبا تجارك وجيرانك. قال: فجعل المأمون لا يزيده على التبسم.
قال: وقال مروان بن الحكم لرجل: إني أظنك أحمق. فقال: ظنٌ أو يقينٌ؟ قال: بل ظنّ. فقال: أحمق ما يكون الشيخ إذا استعمل ظنه.
ومما قيل فيهم من الشعر:
يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمقٍالرزق أغرى به من لازِمِ الجرب
وإنني واجدٌ في الناس واحدةًالرزق أروغ شيءٍ عن ذوي الأدب
وخصلةً ليس فيها من يخالفنيالرزق والنُّوك مقرونان في سبب
ولآخر:
أرى زمناً نوكاه أسعد أهلهعلى أنه يشقى به كلُّ عاقل
سعى فوقه رجلاه والرأس تحتهفكُبّ الأعالي بارتفاع الأسافل
ولآخر:
رأيت الدهر بالأحرار يكبوويرفع رتبة القوم اللئام
كأن الدهر موتورٌ حقودٌيطالب ثأره عند الكرام
ولآخر:
كم من قويٍّ قويٍّ في تقلّبهمهذّب اللبّ عنه الرزق منحرف
ومن ضعيفٍ ضعيف العقل مختلطٍكأنه من خليج البحر يغترف
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع