تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

كيف يكون العاشق

ومن عشق عندهم، فلم ينحل جسمه، ولم يطل سقمه، ويتبين الخشوع في حركته، والذل في نغمته، نسبوه إلى فساد الطبع، ونقصان اللب، وبعد الفهم، وموت القلب. ومن ادعى المحبة، فلم ينحل، ولم يسهر، ولم يخشع، ولم يذل، ولم يخضع، ولم يحمل نفسه على الأمور المتعبة والشدائد الفظيعة، ويركب فيها المراكب الوعرة، ويتقدم على الأشياء المهولة والأهوال المخوفة التي يلاقي فيها الموت، ويعاين فيها الفوت، ويباشر فيها الهلكة، ويغرر فيها بالمهجة، ويصبر منها على حتفه، ويخاطر بنفسه، ويرد الموارد التي يلاقي فيها الموت ويشرف منها على مهول الأمر الذي فيه تلفه وحينه، وحتى يعصي في هواه الأقارب، ويعالج فيه العجائب، فيكون كما قال العرجي:

كم قد عصيت إليك من متنصح،داني القرابة، أو وعيد أعادي
للشاعر العرجي، من قصيدة «هل أنت إن ظعن الأحبة غادى»
وتنوفة أرمي بنفسي عرضهاشوقاً إليك، بلا هداية هادي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هل أنت إن بكر الأحبة غادي»

وكما قال سويد بن أبي كاهل:

كم جشمنا دون سلمى مهمهاً،نازح الغور، إذا الآل لمع
وكذاك الشوق ما أشجعه،يركب الهول، ويعصي من وزع

فليس بعاشق عندهم، ولا يثبت له اسم الهوى، ولا يلحق بالظرفاء، ولا يعد في الأدباء، لأن الهوى عندهم في النحول، والذهول، والضنى، والعناء، والأرق، والقلق، والسهر، والفكر، والذل والخضوع والانكسار والخشوع وإدمان البكاء وقلة العزاء، وكثرة الأنين وطول الحنين، وليس بعاشق من خرج عن

هذه الصفات، وانتقل من هذه الحالات، أو وسيم بغير هذه العلامات، وعرف بغير هذه الدلالات.

أنشدني بعض الأدباء:

علامة من كان الهوى في فؤاده،إذا ما لقي أحبابه يتحيروا
ويصفر لون الوجه بعد احمراره،فإن حركوه للكلام تشورا

أنشدني أبو الحسن بن الرومي:

أرى ماء، وبي عطش شديد،ولكن لا سبيل إلى الورود
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى ماء وبي عطش شديد»
أما يكفيك أنك تملكيني،وأن الخلق كلهم عبيدي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى ماء وبي عطش شديد»
وأنك لو قطعت يدي ورجلي،لقلت، من الهوى: أحسنت، وزيدي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أرى ماء وبي عطش شديد»

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من سنن الظرف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.