تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

الْأَعرَابِي الَّذِي استحمل ابْن الزُّبَير

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْحَسَن، قَالَ أَبِي: أَتَى فَضَالَةُ بْنُ شَرِيكٍ الْكَاهِلِي الْأَسدي - أَسد بني خُزَيْمَةَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ نَفِدَتْ نَفَقَتِي وَنَقَبَتْ رَاحِلَتِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرْ رَاحِلَتَكَ، فَأَحْضَرَهَا، فَقَالَ لَهُ: أَقْبِلْ بِهَا أَدْبِرْ بِهَا فَفَعَلَ، فَقَالَ: ارقعها بسبتٍ واخفصها بلهبٍ، وَانْجُدْ بِهَا يَبْرُدْ خُفُّهَا وَسِرْ عَلَيْهَا البردين تصح، فَقَالَ ابْنُ فَضَالَةَ: إِنَّمَا أَتَيْتُكَ مُسْتَحْمِلا وَلَمْ آتِكَ مُسْتَوْصِفًا، لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ وَرَاكِبَهَا، يُرِيدُ نَعَمْ وَرَاكِبَهَا، فَانْصَرَفَ ابْنُ فَضَالَةَ وَهُوَ يَقُولُ:

أَقُولُ لِغِلْمَتِي شُدُّوا رِكَابِيأُفَارِقُ بَطْنَ مَكَّةَ فِي سَوَادِ
فَمَا لِي حِينَ أَقْطَعُ ذَاتَ عرقٍإِلَى ابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ مِنْ مَعَادِ
سَيُبْعِدُ بَيْنَنَا نَصُّ الْمَطَايَاوَتَعْلِيقُ الأَدَاوِي وَالْمَزَادِ
وَكُلُّ معبدٍ قَدْ أَعْلَمَتْهُمَنَاسِمُهُنَّ طَلاعُ النِّجَادِ
أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خبيبٍنَكِدْنَ وَلا أُمَيَّةَ بِالْبِلادِ
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
من الأعياص أَوْ مِنْ آلِ حربٍأَغَرَّ كَغُرَّةِ الْفَرَسِ الْجَوَادِ
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

قَالَ: فَالْكَاهِلِيَّةُ إِحْدَى جَدَّاتِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عَلِمَ أَنَّهَا أَلأَمُ جَدَّاتِي فَسَبَّنِي بِهَا قَالَ القَاضِي ﵁: إِن فِي قَول ابْن الزُّبَير إِن وراكبها مَعْنَاهَا نعم، وَهِي لغةٌ مَشْهُورَة يَمَانِية، وَقَدْ حمل قوم عَلَيْهَا إِن فِي قَول اللَّه ﷿: " إِنَّ هَذَانِ لساحران " فَقَالُوا: الْمَعْنى نَعَمْ، وَجَاء فِي بعض فصيح الْخطب: إِن الحمدُ للَّه، بِرَفْع الْحَمد، بِمَعْنى نعم الْحَمد للَّه، وَمن ذَلِكَ قَول الشَّاعِر:

بكرت عليّ عواذلييلحونني وألومهنه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
وَيَقُلْنَ شيبٌ قد علاك وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

يَعْنِي بقوله إنَّه: نعم، وَالْهَاء للسكْتِ وَالْوَقْف، كَقَوْلِهِم: تعاله، وَالْقَوْل مستقصي عَلَى شَرحه فِي إِن هَذِهِ وَفِيمَا أَتَى من الْقُرْآن والتلاوات فِي قَوْله: إِن هَذَانِ فِي موَاضعه من تآليفنا وإملائنا، وَقَول ابْن فَضَالَة فِي شعره هَذَا: نَص المطايا النَّص ضربٌ من السّير فِيهِ ظُهُور وارتفاع، وَمن هَذَا اشتق اسْم المنصة أعنى الِارْتفَاع والظهور، وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فِي قصَّة ذُكرت أَنَّهُ كَانَ يسير الْعُنُق فَإِذا وجد فجوة نَص، وَمِنْه: نصصتُ الْحَدِيث إِلَى صَاحبه أَيّ رفعته إِلَيْهِ، وقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

وجيدٍ كجيد الرئم لَيْسَ بفاحشٍإِذا هِيَ نَصّته وَلا بِمُعَطِّلِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وَقَوله: وكل مَعْبَد: المعبد الْمُذَلل، قَالَ طرفَة:

إِلَى أَن تحامتني الْعَشِيرَة كلهَاوأفردت إِفْرَاد الْبَعِير المعبد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وأَبُو خُبَيْبٍ: هُوَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَير، كَانَ يكنى أَبَا خُبَيْبُ وَأَبا بَكْر. وقَالَ الشَّاعِر فِيهِ، وَفِي أَخِيهِ مُصْعَب:

قدني من نصر الخبيبين قديلَيْسَ أَمِيري بالشحيح الملحد

يروي الخبيبين مثنى، يُرَاد هُوَ وَأَخُوهُ، ويروي الخبيبين عَلَى الْجمع، من بَاب الأشاعثة والمسامعة والمهالبة، يُرَاد هُوَ وذووه، وَقَوله: وَلا أُمَيَّة فِي الْبِلَاد نَصَبِ بِلَا النافية، وَإِنَّمَا تعْمل فِي النكرَة دون الْمعرفَة، لِأَنَّهُ أَرَادَ: وَلا مثل أُمِّيّه، كَمَا قَالَ الآخر:

لَا هَيْثَماللَّيْلَة للمطي

أَيّ لَا مثل هَيْثَم، وَقَوله: من الأعياص، نسب بني أُمَيَّة مقسوم عَلَى الإضافتين الأعياص والعنابس والأعياص أعلاهما.

قَالَ القَاضِي ﵀: ابْن الزُّبَير حِين ذكر الكاهلية وَنسبَة ابْن فَضَالَة إِيَّاه إِلَيْهَا معنى لطيف، وتعريض بسبه أبلغ من التَّصْرِيح، إِذْ علم أَن الكاهلية ألأم أُمَّهَات ابْن الزُّبَير فَسَبهُ بهَا، فالسب راجعٌ عَلَيْه بأعظم من سبه من هجاه، إِذْ بَنو كَاهِل رَهْط ابْن فضَالة وعصبته.

وَقَول ابْن الزبير: أرقعها بسبت، السبت: جلودٌ يُؤْتى بهَا من الْيمن تتَّخذ مِنْهَا النّعّال، وَهِي من جُلُود الْبَقر، وَكَانَت من ملابس الْمُلُوك، وروى أنَّ النَّبيّ ﷺ قَالَ لرجل رَآهُ يمشي فِي الْمقْبرَة لابسا شَيْئا مِنْهَا: يَا صَاحب السبتين: اخلع سِبْتَيْك.

وقَالَ عنترة يصف رَجُلا بالنُّبل وَتَمام الْخلق:

بطلٌ كأنّ ثيابَهُ فِي سرحةٍيحذى نعال السبت لَيْسَ بتوأم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وَقَوله: اخصفها بهلب: يَعْنِي مَا أَخَذَ من شعر الذَّنب، وَقَوله: وأنجد بهَا، يُرِيد: ائْتِ بهَا نجداً: أنجد الرجل إِذْ أَتَى نجدًا، وأغار إِذا أَتَى الْغَوْر، وَمن كَلَام الْعَرَب " أنجد من رَأَى حِصنًا " أَيّ شَارف نجدًا، وحصن جُبَيْل، قَالَ الْأَعْشَى:

نَبيٌّ يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وذِكْرُهُأَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَاد وأَنْجَدَا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا»

وَقَوله: وسِر عَلَيْهَا البَرْدَيْن: البَرْدَان: أولُ النَّهار وَآخره، ورُوي عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَل الْجَنَّةَ ". قَالَ: اللَّهُ ﷿: " وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل " وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فِي مَعْنَى الْبَرْدَيْنِ قَوْلُ حُمَيدِ بْن ثَوْر الهلاليّ:

فَلا الظِّلُّ من بَرْدِ الضُّحَى نَسْتَطِيعُهُوَلَا الفَيْءُ من بَرْدِ العَشِيِّ نَذُوقُ

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الحَادي والخمسُون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.