من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
أحكم مَا قالته الْعَرَب وأوجزه
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن دُرَيد، قَالَ: أَبُو عُثْمَان الأُشْنَانْدَانِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعُتْبِي، قَالَ: دخل الشَّعْبِيّ عَلَى عَبْد الْملك، فَقَالَ: يَا شَعْبِي! أَنْشدني أحكم مَا قَالَت الْعَرَب وأوْجَزَه، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين، قَول امرىء الْقَيْس:
صُبَّتْ عَلَيْه وَمَا تنصبُّ من أممٍإِن الشَّقَاء عَلَى الأشْقِين مَصْبُوبُ
وَقَول زُهَيْر:
وَمن يَجْعَل المعروفَ من دون عرضهيَفِرْهُ وَمن لَا يتقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَقَول النَّابِغَة:
ولَسْتَ بمستبقٍ أَخا لَا تلمُّهُعَلَى شعثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ
وَقَول عَدِيّ بْن زَيْد:
عَنِ الْمَرْء لَا تسْأَل وَأبْصر قرينهإِن القرين بالمقارن يَقْتَدِي
وَقَول طرفَة:
سَتُبْدي لَك الأَيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلاويأتيك بالأخبار من لَمْ تُزَوِّدِ
وَقَول عُبَيْد بْن الأبْرَص:
وكلُّ ذِي غيبةٍ يَؤُوبُوغائبُ الموتِ لَا يَؤُوبُ
وَقَول لَبِيد:
إِذَا المرءُ أسْرَى لَيْلَة ظنَّ أنَّهُقضى أملا والمرءُ مَا عَاشَ عَاملُ
وَقَول الْأَعْشَى:
وَمن يَغْتربْ عَنْ قومه لَا يزل يرىمصَارِع مظلومٍ مجرًا ومَسْحَبَا
وَقَول الْحُطَيْئة:
من يفعل الْخَيْر لَا يَعْدِمْ جَوَازِيَهُلَا يذهبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّه والنَّاسِ
وَقَول الْحَارِث بْن عَمْرو:
فَمنْ يَلْقَ خيرا يُحْمِد النّاس أمرهوَمن يَغْوَ لَا يَعْدم عَلَى الغيِّ لائِمَا
وَقَول الشماخ:
وكلُّ خليلٍ غيرِ هَاضِمِ نَفسِهِلوصْلِ خليلٍ، صارمٌ أَوْ مُعَارِزُ
فَقَالَ عَبْد الْملك: حَجَجْتُكَ يَا شَعْبِي بقول طُفَيْل الغَنَوي:
وَلا أُخَالِسُ جَاري فِي حليلتهوَلا ابنَ عَمِّيَ غَالَتْنِي إِذا غُولُ
حَتَّى يُقالَ إِذا دُلِّيتُ فِي جدثٍأيْن ابنُ عوفٍ أَبُو قَرَّانَ مَجْعُولُ
قَالَ القَاضِي أَبُو الْفرج: بَيْتا طُفَيل اللَّذَان أنشدهما عَبْد الْملك وفَضَّلهما وزَعمَ أَنَّهُ حج الشَّعْبِيّ من أشعار الشُّعَرَاء غَيْر مقصِّر عَنْهُمَا، وَمن تَأمل مَا وَصفنَا وجَدّه عَلَى مَا ذكرنَا، من غَيْر أَن يحْتَاج إِلَى تكلّف تَفْسِير ذَلِكَ، وإطناب فِي الِاحْتِجَاج لَهُ، فَأَما بَيت الشماخ فَإِن معنى قَوْله: غَيْر هاضم نَفسه، أَيّ حَامِل عَلَيْهَا لخليله والهَضْم: النَّقْص، يُقَالُ: هضم فلانٌ فلَانا حَقه أَيّ نَقصه، قَالَ اللَّه ﷻ: " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مؤمنٌ فَلا يخَاف ظلما وَلَا هضماً " وَأما قَوْله: أَوْ مُعَارِز، فالْمُعارز المتقبِّض، يُقَالُ: استعْرَزَ عليَّ فُلان إِذا انقبض، وألقيت الْبُضْعة عَلَى النَّار فَعَرزَتْ، وَكَأن الشماخ سلك سَبِيل النَّابِغَة فِي بَيته الَّذِي أنْشدهُ الشَّعْبِيّ فِي هَذَا الْخَبَر، وأصل الْغَرَض فِي هَذِهِ الْجُمْلَة، عَلَى مَا بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ مِمَّا لأَحَدهمَا من الشَّفِّ من تَنْقِيح أَلْفَاظ الشِّعْر، وَفضل اسْتغْنَاء أَجزَاء أحد الْبَيْتَيْنِ عَلَى أَجزَاء الآخر، وَأَنا قائلٌ فِي هَذَا قولا يُبين صِحَّته ويُوضح حَقِيقَته إِن شَاءَ اللَّه، وَأَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق: إِن جملَة الْأَلْفَاظ للبيتين الَّتِي تجمعهما عَلَى معنى وَاحِد، هُوَ أَن الَّذِي
يحفظ الْأُخوة بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ، ويحرس الْخلَّة بَيْنَ الخليلين أَن يَلمّ أَحَدهمَا صَاحبه عَلَى شَعَثِهِ ويَهْضِمَ لَهُ نَفسه، وَمَتى لَمْ يفعل هَذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى ثِقَة من استبقائه وَكَانَ بِعرْض مُصارمته، وانقباضه عَنْهُ ومعارزته، وَبَيت النَّابِغَة فِي هَذَا الْبَاب أفحل وأوفى، وأجزل وأشفى، وَقَدْ كشف عَنِ الْعلَّة فِيمَا أَتَى بِهِ بقوله: أَيّ الرِّجَال المهذّب، فَأحْسن الْعبارَة عَنْ هَذَا الْمَعْنى: " مَنْ تَكُ يَوْمًا بأخيك كُلِّه "، وَقَدْ نَوَّه بَيت النَّابِغَة هَذَا رُواةُ الشّعْر ونَقَلَتِه، ونُقَّاده وجهابذته، واستحسنوا تكافُؤَ أَجْزَائِهِ، واستقلال أَرْكَانه، واشتماله عَلَى فِقَر قَائِمَة بأنفسها، كَافِيَة كُلّ وَاحِدَة مِنْهَا، وَهَذَا من النَّوْع الْمُسْتَفْصح، والفن المستعذب، من أَعلَى طَبَقَات البلاغة، وَقَدْ أَتَى الْقُرْآن مِنْهُ بالكثير الَّذِي يقل مَا أَتَى مِنْهُ فِي الشّعْر إِذا قَيْس إِلَيْهِ، فَتبين للمميزين كثير فضل مَا فِي الْقُرْآن عَلَيْه، فَمنْ ذَلِكَ قولُ اللَّهِ جلّ وعَزّ: " فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كتابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ " وَلنَا فِي هَذَا الْبَاب رِسَالَة أبَنَّا فِيهَا رُجحان مَا فِي الْقُرْآن من هَذَا الْجِنْس عَلَى كثرته، عَلَى مَا أَتَى مِنْهُ فِي الشّعْر عَلَى قلته، فَلم نُطِلْ كتَابنَا هَذَا بإعادته، وَقَدْ ضممنا مَعَه شطرًا صَالحا كتَابنَا الْمُسَمَّى " الْبَيَان الْمُوجَزُ فِي عُلُوم الْقُرْآن المعجز " وَمن نظر فِيهِ أرشف عَلَى مَا يبتهج بدراسته، ويغتبط باستفادته بِتَوْفِيق اللَّه تَعَالَى وهدايته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع