من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
خطْبَة زِيَاد البتراء
حَدثنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي يَعْقُوب الدِّينَوَرِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عبيد بن مُحَمَّد الفيرياب قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الْملك بْن عُمَير قَالَ: شهدتُ زيادَ بْن أَبِي سُفْيَان وَقَدْ صعد الْمِنْبَر فسَلَّم تَسْلِيمًا خَفِيًّا، وانْحرف انحرافًا بطيا، وخطب خطْبَة بتيراء، قَالَ ابْن الفيريابي والْبُتَيْراء الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا عَلَى النَّبيّ ﷺ ثُمّ قَالَ: إِن أَمِير الْمُؤْمِنِين قَدْ قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، وَشهد الشُّهُود بِمَا قد علمْتُم، وَإِنَّمَا كنت امْرَءًا حفظ الله مني مَا ضيع النّاس، وَوصل مني مَا قطعُوا، أَلا إِنَّا قَدْ سُسْنا وساسنا السائِسُون، وجَرَّبْنا وجربنا المجربون، وولينا وولينا الوالون، وَإِنَّا وجدنَا هَذَا الْأَمر لَا يصلحه إِلا شدةٌ فِي غَيْر عُنْف، ولينٌ فِي غَيْر ضَعف، وأيم اللَّه إِن لي فِيكُم صَرْعَى فليحذر كُلّ رجلٍ مِنْكُم أَن يكون من صرعاي، وَالله لآخذن البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، حَتَّى تلين لي قناتكم، وَحَتَّى يَقُول الْقَائِل مِنْكُم: انج سعد فقد قتل سعيد، فَرب فَرِحٍ بإمارتي لن تَنْفَعَه، ورُبَّ كارهٍ لَهَا لن تَضُرَّه. وَقَدْ كَانَت بيني وَبَين أقوامٍ مِنْكُم دمن وأحقاد، وَقد جعلت ذَلِك خلف ظَهْري وَتَحْت قدمي، فَلَو بَلغنِي عَنْ أحدكُم أَن الْبُغْضَ لي قَتَلَهُ، مَا كَشفْتُ لَهُ قِناعًا وَلا هَتكتُ لَهُ سِتْرًا حَتَّى يُبْدِي صفيحته، فَإِذا أبداها لم أَقَله عثر تهز أَلا وَلَا كذبة أكبر شَاهدا عَلَيْهَا من كذبة أميرٍ على مِنْبر، فَإِذا سمعتموها مني فاغتمزوها فِي، وَإِذَا وعدتكم خيرا أَوْ شرا فَلم أُفٍّ لكم بِهِ فَلَا طَاعَة لي فِي رِقَابكُمْ، أَلا وَأي رجل مِنْكُم مِمَّن كَانَ مكتبه خُرَاسَان فأجَلُه سنَتَان، ثُمّ هُوَ أميرُ نَفسه، وَأَيّمَا رَجُل مِنْكُم كَانَ مكتبه دون خُرَاسَان فَأَجله سِتَّةُ أشهر، ثُمّ هُوَ أَمِير نَفسه، وأيُّما امرأةٍ احْتَاجَت فإننا نعطيها عطاءَ زَوجهَا ثُمّ نقاصه بِهِ، وَأَيّمَا عقال فقد تموه من مُقامِي هَذَا إِلَى خُرَاسَان فَأَنا لَهُ ضامنٌ.
فَقَامَ إِلَيْهِ نُعيم بْن الْأَهْتَم الْمِنْقَرِيّ فَقَالَ: أشهد لقد أُوتيت الْحِكْمَة وَفصل الْخطاب، فَقَالَ: كذبت أَيهَا الرجلن ذَاك نَبِيَّ اللَّه دَاوُد ﵇،، ثُمّ قَامَ إِلَيْهِ الْأَحْنَف بْن قَيْس فَقَالَ: أَيهَا الرَّجُل، إِنَّمَا الجوادُ بِشَدِّه، والسيفُ بِحَدِّه، والمرء بِجَدِّه، وَقَدْ بلَّغَك جَدُّك مَا ترى، وَإِنَّمَا الشُّكْر بعد الْعَطاء، والثناءُ بعد الْبلَاء، ولسنا نُثْنِي عَلَيْك حَتَّى نَبْتليَك، فَقَالَ: صدقت، ثُمّ قَامَ أَبُو بِلَال مِرْداسُ بْن أُدَيَّة فَقَالَ: أَيهَا الرَّجُل قَدْ سَمِعْتُ قَوْلك: واللَّه لآخذن البريء بالسقيم الْمُطِيع بالعاصي والمقبل بالمدبر ولَعَمْرِي لقَدْ خَالَفت مَا حكم اللَّه فِي كِتَابه إِذْ يَقُولُ: " وَلا تَزِرُ وازة وِزْرَ أُخْرَى " الْأَنْعَام: فَقَالَ: إيها عني، فو الله مَا أجدُ السَّبيل إِلَى مَا تريدُ أَنْت وأصحابُك حَتَّى أخوض الْبَاطِل خوضًا، ثُمّ نزل فَقَامَ إِلَيْهِ مرداس بْن أدية وَهُوَ يَقُول؛
يَا طَالب الْخَيْر مهر الجَوْرِ مُعْترضٌطولُ التهجُّدِ أَوْ فتك بجبار
لَا كنت إِن لَمْ أَصمّ عَنْ كُلّ غانيةٍحَتَّى يكون بريق الْحور إفطاري
فَقَالَ لَهُ رَجُل: أَصْحَابك يَا أَبَا بِلَال شباب، فَقَالَ: شباب متكهلون فِي شبابهم، ثُمَّ قَالَ:
إِذا مَا اللَّيْل أظْلم كَابَدُوهُفيسفر عَنْهُم وهم سُجُود
فشرى وانجفل النَّاس مَعَه، وَكَانَ قد ضيق الْكُوفَة على زِيَاد.
قَالَ القَاضِي: قد رُوِيَ لنا هَذَا الشّعْر فِي بعض أَخْبَار الْفَوَائِد على غير هَذِه القافية وَهُوَ:
إِذا مَا اللَّيْل أظْلم كَابَدُوهُفيسفر عَنْهُم وهم رُكُوع
أطار الْخَوْف نومهم فَقَامُواوَأهل الْأَمْن فِي الدُّنْيَا هجوع
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع