من «التمثيل والمحاضرة» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
كلامهم عند وفاة الاسكندر
لما جعل في تابوت ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: قد كان الإسكندر يخبأ الذهب، وقد أصبح الآن يخبؤه الذهب. وتقدم إليه آخر والناس يبكون ويجزعون، فقال: حركنا بسكونه. وتقدم إليه آخر فقال: قد كان يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وتقدم إليه آخر فقال: قد جاب الأرضين وملكها، ثم حصل منها على أربعة أذرع. ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف انجلى.
ووقف عليه آخر، فقال: قد أمات هذا الميت كثيراً من الناس لئلا يموت، وقد مات الآن. ووقف عليه آخر فقال: مالك لا تقلّ عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقل بملك العباد. وقال آخر: مالك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد. وقال آخر: قد كان لا يقدر عنده على الكلام والآن لا يقدر عنده على الصمت. وقال آخر: كان غالباً فصار مغلوباً، وآكلاً فصار مأكولاً. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس، مع شدة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أن غالب أبي يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضجت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس.
النص من طبعة الدار العربية للكتاب (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع