تجاوز إلى المحتوى

من «التمثيل والمحاضرة» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)

الدنيا

عدوٌ في ثياب صديق. ضاحكةٌ مستعبرة. عدوةٌ للناس معشوقة. من بخل بالدنيا جادت به. غدارة غرارةٌ، إن بقيت لك لم تبق لها. أفٍ من أشغالها إذا أقبلت، ومن حسراتها إذا أدبرت. واجدها سكران، وفاقدها حيران. من نال الدنيا مات بها، ومن لم ينلها مات حسرةً عليها. مثل الدنيا كمثل الحيّة: لين مسها، قاتلٌ سمها، يحذرها العاقل، ويهوي إليها الجاهل. لا بد في الدنيا من الهمّ. إن الدنيا ليست تعطيك لتسرك؛ إنما تعطيك لتغمك.

ولم أر كالدنيا تذمّ وتجلب

أشبه الأشياء بالدنيا أحلام النائم. من أكرم الدنيا أهانته. الدنيا لا تعطي أحداً ما يستحقه؛ إما تزيده أو تنقصه. مثل الدنيا كمثل رجلٍ نام نومةً فرأى فيها ما يحب ويكره، ثم انتبه.

من مال إلى الدنيا صالت عليه، ومن مال عليها مالت إليه. إذا أقبلت الدنيا على إنسانٍ أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. لو عقدت الدنيا بذنب كلبٍ لجرها. دنياك ما أنت فيه. قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لم حرص الناس على الدنيا؟ فقال: هم أبناؤها.

البحتري:

ولكننّا منها خلقنا لغيرهاوما كنت منه فهو شيءٌ محبّب

الحسن: حلالها حساب، وحرامها عذاب. يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان، من شرب منها لم يفق إلا في عسكر الموتى، نادماً خاسراً. ذو النون: اتخذ الدنيا ظئراً، والآخرة أماً. ابن عباد: الدنيا قحبةٌ، فيوماً عند عطار، ويوماً عند بيطار. أبو بكر الخوارزمي: الدنيا أنثى، تنكح كل خاطب، ودابة ذلول، تحمل كل راكب.

أصبحت الدنيا لنا عبرةًوالحمد لله على ذلكا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خفض هداك الله من بالكا»
قد أجمع النّاس على ذمّهاوما أرى فيهم لها تاركا

ابن المعتز:

وحلاوة الدنيا لجاهلهاومرارة الدنيا لمن عقلا
أفّ للدنيا الدّنيّهخبثت فعلاً ونيّه
عيشها همٌّ وغمٌّثم عقباها المنيّه

ابن المعتز: مصائب الدنيا أكثر من نبات

النص من طبعة الدار العربية للكتاب (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الثالث فيما يكثر التمثل به من جميع الأشياء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.